تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
( وهو السميع ) لأقوال عباده ( العليم ) بما يسرونه وما يعلنونه ( ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه ) أي من جاهد الكفار وجاهد نفسه بالصبر على الطاعات فإنما يجاهد لنفسه : أي ثواب ذلك له لا لغيره ولا يرجع إلى الله سبحانه من نفع ذلك شئ ( إن الله لغني عن العالمين ) فلا يحتاج إلى طاعاتهم كما لا تضره معاصيهم . وقيل المعنى : ومن جاهد عدوه لنفسه لا يريد بذلك وجه الله ، فليس لله حاجة بجهاده ، والأول أولى ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئآتهم ) أي لنغطينها عنهم بالمغفرة بسبب ما عملوا من الصالحات ( ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون ) أي بأحسن جزاء أعمالهم ، وقيل بجزاء أحسن أعمالهم ، والمراد بأحسن مجرد الوصف لا التفضيل لئلا يكون جزاؤهم بالحسن مسكوتا عنه ، وقيل يعطيهم أكثر مما عملوا وأحسن منه كما في قوله - من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها - ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) انتصاب حسنا على أنه نعت مصدر محذوف : أي إيصاء حسنا على المبالغة ، أو على حذف المضاف : أي ذا حسن . هذا مذهب البصريين ، وقال الكوفيون : تقديره ووصينا الإنسان أن يفعل حسنا ، فهو مفعول لفعل مقدر ، ومنه قول الشاعر : عجبت من دهماء إذ تشكونا * ومن أبي دهماء إذ يوصينا * خيرا بها كأنما خافونا أي يوصينا أن نفعل بها خيرا ، ومثله قول الحطيئة : وصيت من برة قلبا حرا * بالكلب خيرا والحمأة شرا قال الزجاج : معناه ووصينا الإنسان : أن يفعل بوالديه ما يحسن ، وقيل هو صفة لموصوف محذوف : أي ووصيناه أمرا ذا حسن ، وقيل هو منتصب على أنه مفعول به على التضمين أي ألزمناه حسنا ، وقيل منصوب ينزع الخافض : أي ووصيناه بحسن ، وقيل هو مصدر لفعل محذوف : أي يحسن حسنا ، ومعنى الآية : التوصية للإنسان بوالديه بالبر بهما والعطف عليهما . قرأ الجمهور " حسنا " بضم الحاء وإسكان السين ، وقرأ أبو رجاء وأبو العالية والضحاك بفتحهما ، وقرأ الجحدري " إحسانا " وكذا في مصحف أبي ( وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ) أي طلبا منك وألزماك أن تشرك بي إلها ليس لك به علم بكونه إلها فلا تطعهما ، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، وعبر بنفي العلم عن نفي الإله لأن ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه ، فكيف بما علم بطلانه ؟ وإذا لم تجز طاعة الأبوين في هذا المطلب مع المجاهدة منهما له فعدم جوازها مع مجرد الطلب بدون مجاهدة منهما أولى ، ويلحق بطلب الشرك منهما سائر معاصي الله سبحانه ، فلا طاعة لهما فيما هو معصية لله كما صح ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون ) أي أخبركم بصالح أعمالكم وطالحها ، فأجازي كلا منكم بما يستحقه ، والموصول في قوله ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات ) في محل رفع على الابتداء وخبره ( لندخلنهم في الصالحين ) أي في زمرة الراسخين في الصلاح ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الاشتغال ، ويجوز أن يكون المعنى : لندخلنهم في مدخل الصالحين ، وهو الجنة كذا قيل ، والأول أولى ( ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله ) أي في شأن الله ولأجله كما يفعله أهل الكفر مع أهل الإيمان ، وكما يفعله أهل المعاصي مع أهل الطاعات من إيقاع الأذى عليهم لأجل الإيمان بالله والعمل بما أمر به ( جعل فتنة الناس ) التي هي ما يوقعونه عليه من الأذى ( كعذاب الله ) أي جزع من أذاهم . فلم يصبر عليه وجعله في الشدة والعظم كعذاب الله فأطاع الناس كما يطيع الله ، وقيل هو المنافق إذا أوذي في الله رجع عن الدين فكفر . قال الزجاج : ينبغي للمؤمن أن يصبر على الأذية في الله ( ولئن جاء نصر من ربك ) أي نصر من الله للمؤمنين وفتح وغلبة للأعداء وغنيمة يغنمونها منهم ( ليقولن إنا كنا معكم ) أي داخلون معكم في دينكم ومعاونون لكم على عدوكم ، فكذبهم