تقرير كقولك : أما ترى صنع الله وإحسانه ، وقيل هي كلمة تنبيه بمنزلة ألا . وقال قطرب : إنما وهو يلك
فأسقطت لامه ، ومنه قول عنترة :
ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها * قول الفوارس ويك عنتر أقدم
وقال ابن الأعرابي : معنى ويكأن الله : أعلم أن الله . وقال القتيبي : معناها بلغة حمير رحمة ، وقيل هي بمعنى
ألم تر . وروي عن الكسائي أنه قال : هي كلمة تفجع ( لولا أن من الله علينا ) برحمته وعصمنا من مثل ما كان عليه
قارون من البطر والبغي ولم يؤاخذنا بما وقع منا من ذلك التمني ( لخسف بنا ) كما خسف به . قرأ حفص " لخسف "
مبنيا للفاعل ، وقرأ الباقون مبنيا للمفعول ( ويكأنه لا يفلح الكافرون ) أي لا يفوزون بمطلب من مطالبهم ( تلك
الدار الآخرة ) أي الجنة ، والإشارة إليها لقصد التعظيم لها والتفخيم لشأنها كأنه قال : تلك التي سمعت بخبرها وبلغك
شأنها ( نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ) أي رفعة وتكبرا على المؤمنين ( ولا فسادا ) أي عملا بمعاصي الله
سبحانه فيها ، وذكر العلو والفساد منكرين في حيز النفي يدل على شمولهما لكل ما يطلق عليه أنه علو وأنه فساد
من غير تخصيص بنوع خاص ، أما الفساد فظاهر أنه لا يجوز شئ منه كائنا ما كان ، وأما العلو فالممنوع منه
ما كان على طريق التكبر على الغير والتطاول على الناس ، وليس منه طلب العلو في الحق والرئاسة في الدين ولا
محبة اللباس الحسن والمركوب الحسن والمنزل الحسن ( من جاء بالحسنة فله خير منها ) وهو أن الله يجازيه بعشر
أمثالها إلى سبعمائة ضعف ( ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون ) أي إلا مثل
ما كانوا يعملون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه ، وقد تقدم بيان معنى هذه الآية في سورة النمل ( إن
الذي فرض عليك القرآن ) قال المفسرون : أي أنزل عليك القرآن . وقال الزجاج : فرض عليك العمل بما يوجبه
القرآن ، وتقدير الكلام : فرض عليك أحكام القرآن وفرائضه ( لرادك إلى معاد ) قال جمهور المفسرين : إي إلى
مكة . وقال مجاهد وعكرمة والزهري والحسن : إن المعنى : لرادك إلى يوم القيامة وهو اختيار الزجاج ، يقال
بيني وبينك المعاد : أي يوم القيامة ، لأن الناس يعودون فيه أحياء . وقال أبو مالك وأبو صالح : لرادك إلى معاد
إلى الجنة . وبه قال أبو سعيد الخدري ، وروي عن مجاهد . وقيل " إلى معاد " إلى الموت ( قل ربي أعلم من جاء بالهدى
ومن هو في ضلال مبين ) هذا جواب لكفار مكة لما قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم إنك في ضلال ، والمراد
من جاء بالهدى هو النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومن هو في ضلال مبين المشركون : والأولى حمل الآية على
العموم ، وأن الله سبحانه يعلم حال كل طائفة من هاتين الطائفتين ويجازيها بما تستحقه من خير وشر ( وما كنت
ترجو أن يلقى إليك الكتاب ) أي ما كنت ترجو أنا نرسلك إلى العباد وننزل عليك القرآن . وقيل ما كنت ترجو أن
يلقى إليك الكتاب بردك إلى معادك ، والاستثناء في قوله ( إلا رحمة من ربك ) منقطع : أي لكن إلقاؤه عليك رحمة
من ربك ، ويجوز أن يكون متصلا حملا على المعنى ، كأنه قيل : وما ألقى إليك الكتاب إلا لأجل الرحمة من ربك .
والأول أولى وبه جزم الكسائي والفراء ( فلا تكونن ظهيرا للكافرين ) أي عونا لهم ، وفيه تعريض بغيره من الأمة .
وقيل المراد لا تكونن ظهيرا لهم بمداراتهم ( ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك ) أي لا يصدنك يا محمد
الكافرون وأقوالهم وكذبهم وأذاهم عن تلاوة آيات الله والعمل بها بعد إذ أنزلها الله إليك وفرضت عليك . قرأ
الجمهور بفتح الياء وضم الصاد من صده يصده . وقرأ عاصم بضم الياء وكسر الصاد ، من أصده بمعنى
فتح القدير — صفحة 188
مساهمون: الشوكاني
ص١٨٨