تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
عليك ، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما " أن جبريل سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإحسان فقال : أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ( ولا تبغ الفساد في الأرض ) أي لا تعمل فيها بمعاصي الله ( إن الله لا يحب المفسدين ) في الأرض ( قال إنما أوتيته على علم عندي ) قال قارون : هذه المقالة ردا على من نصحه بما تقدم : أي إنما أعطيت ما أعطيت من المال لأجل علمي ، فقوله " على علم " في محل نصب على الحال ، وعندي إما ظرف لأوتيته ، وإما صلة للعلم ، وهذا العلم الذي جعله سببا لما ناله من الدنيا . قيل هو علم التوراة ، وقيل علمه بوجوه المكاسب والتجارات ، وقيل معرفة الكنوز والدفائن ، وقيل علم الكيمياء ، وقيل المعنى : إن الله آتاني هذه الكنوز على علم منه باستحقاقي إياها لفضل علمه مني . واختار هذا الزجاج وأنكر ما عداه . ثم رد الله عليه قوله هذا فقال ( أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ) المراد بالقرون الأمم الخالية ، ومعنى أكثر جمعا : أكثر منه جمعا للمال ، ولو كان المال أو القوة يدلان على فضيلة لما أهلكهم الله . وقيل القوة الآلات ، والجمع الأعوان . وهذا الكلام خارج مخرج التقريع والتوبيخ لقارون ، لأنه قد قرأ التوراة ، وعلم علم القرون الأولى وإهلاك الله سبحانه لهم ( ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون ) أي لا يسألون سؤال استعتاب كما في قوله - ولاهم يستعتبون - وما هم من المعتبين - وإنما يسألون سؤال تقريع وتوبيخ كما في قوله - فوربك لنسألنهم أجمعين - وقال مجاهد : لا تسأل الملائكة غدا عن المجرمين لأنهم يعرفون بسيماهم ، فإنهم يحشرون سود الوجوه زرق العيون . وقال قتادة : لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم لظهروها وكثرتها ، بل يدخلون النار . وقيل لا يسأل مجرموا هذه الأمة عن ذنوب الأمم الخالية ( فخرج على قومه في زينته ) الفاء للعطف على " قال " وما بينهما اعتراض ، و " في زينته " متعلق بخرج ، أو بمحذوف هو حال من فاعل خرج . وقد ذكر المفسرون في هذه الزينة التي خرج فيها روايات مختلفة ، والمراد أنه خرج في زينة انبهر لها من رآها ، ولهذا تمنى الناظرون إليه أن يكون لهم مثلها كما حكى الله عنهم بقوله ( قال الذين يريدون الحياة الدنيا ) وزينتها ( يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم ) أي نصيب وافر من الدنيا . واختلف في هؤلاء القائلين بهذه المقالة ، فقيل هم من مؤمني ذلك الوقت ، وقيل هم قوم من الكفار ( وقال الذين أوتوا العلم ) وهم أحبار بني إسرائيل قالوا للذين تمنوا ( ويلكم ثواب الله خير ) أي ثواب الله في الآخرة خير مما تمنونه ( لمن آمن وعمل صالحا ) فلا تمنوا عرض الدنيا الزائل الذي لا يدوم ( ولا يلقاها ) أي هذه الكلمة التي تكلم بها الأحبار ، وقيل الضمير يعود إلى الأعمال الصالحة ، وقيل إلى الجنة ( إلا الصابرون ) على طاعة الله والمصبرون أنفسهم عن الشهوات ( فخسفنا به وبداره الأرض ) يقال : خسف المكان يخسف خسوفا : ذهب في الأرض ، وخسف به الأرض خسفا : أي غاب به فيها ، والمعنى : أن الله سبحانه غيبه وغيب داره في الأرض ( فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله ) أي ما كان له جماعة يدفعون ذلك عنه ( وما كان ) هو في نفسه ( من المنتصرين ) من الممتنعين مما نزل به من الخسف ( وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس ) أي منذ زمان قريب ( يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر ) أي يقول كل واحد منهم متندما على ما فرط منه من التمني . قال النحاس : أحسن ما قيل في هذا ما قاله الخليل وسيبويه ويونس والكسائي أن القوم تنبهوا فقالوا : وي . والمتندم من العرب يقول في خلال ندمه وي . قال الجوهري : وي كلمة تعجب ، ويقال ويك ، وقد تدخل وي على كأن المخففة والمشددة ويكأن الله . قال الخليل : هي مفصولة تقول وي ، ثم تبتدئ فيقول كأن . وقال الفراء : هي كلمة
فتح القدير — صفحة 187 | الشوكاني