تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
موسى قومه - وقال الفراء : هو منصوب على التفسير كما تقول : أبطرك مالك وبطرته ، ونظيره عنده قوله تعالى - إلا من سفه نفسه - ونصب المعارف على التمييز غير جائز عند البصريين ، لأن معنى التفسير أن تكون النكرة دالة على الجنس . وقيل إن معيشتها منصوبة ببطرت على تضمينه معنى جهلت ( فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا ) أي لم يسكنها أحد بعدهم إلا زمنا قليلا ، كالذي يمر بها مسافرا فإنه يلبث فيها يوما أو بعض يوم ، أو لم يبق من يسكنها فيها إلا أياما قليلة لشؤم ما وقع فيها من معاصيهم . وقيل إن الاستثناء يرجع إلى المساكن : أي لم تسكن بعد هلاك أهلها إلا قليلا من المساكن وأكثرها خراب ، كذا قال الفراء وهو قول ضعيف ( وكنا نحن الوارثين ) منهم لأنهم لم يتركوا وارثا يرث منازلهم وأموالهم ، ومحل جملة " لم تسكن " الرفع على أنها خبر ثان لاسم الإشارة ، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا ) أي وما صح ولا استقام أن يكون الله مهلك القرى الكافرة : أي الكافر أهلها حتى يبعث في أمها رسولا ينذرهم ويتلوا عليهم آيات الله الناطقة بما أوجبه الله عليهم وما أعده من الثواب للمطيع والعقاب للعاصي ، ومعنى أمها : أكبرها وأعظمها ، وخص الأعظم منها بالبعثة إليها ، لأن فيها أشراف القوم ، وأهل الفهم والرأي ، وفيها الملوك والأكابر ، فصارت بهذا الاعتبار كالأم لما حولها من القرى . وقال الحسن : أم القرى أولها . وقيل المراد بأم القرى هنا مكة كما في قوله - أن أول بيت وضع للناس - الآية ، وقد تقدم بيان ما تضمنته هذه الآية في آخر سورة يوسف ، وجملة " يتلوا عليهم آياتنا " في محل نصب على الحال : أي تاليا عليهم ومخبرا لهم أن العذاب سينزل بهم إن لم يؤمنوا ( وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) هذه الجملة معطوفة على الجملة التي قبلها ، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال : أي وما كنا مهلكين لأهل القرى بعد أن نبعث إلى أمها رسولا يدعوهم إلى الحق إلا حال كونهم ظالمين قد استحقوا الإهلاك لإصرارهم على الكفر بعد الإعذار إليهم ، وتأكيد الحجة عليهم كما في قوله سبحانه - وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون - ، ثم قال سبحانه ( وما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا وزينتها ) الخطاب لكفار مكة : أي وما أعطيتم من شئ من الأشياء فهو متاع الحياة الدنيا تتمتعون به مدة حياتكم أو بعض حياتكم ثم تزولون عنه أو يزول عنكم ، وعلى كل حال فذلك إلى فناء وانقضاء ( وما عند الله ) من ثوابه وجزائه ( خير ) من ذلك الزائل الفاني لأنه لذة خالصة عن شوب الكدر ( وأبقى ) لأنه يدوم أبدا ، وهذا ينقضي بسرعة ( أفلا تعقلون ) أن الباقي أفضل من الفاني ، وما فيه لذة خالصة غير مشوبة أفضل من اللذات المشوبة بالكدر المنغصة بعوارض البدن والقلب ، وقرئ بنصب " متاع " على المصدرية : أي فتمتعون متاع الحياة ، قرأ أبو عمرو " يعقلون " بالتحتية ، وقرأ الباقون بالفوقية على الخطاب وقراءتهم أرجح لقوله ( وما أوتيتم ) ( أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ) أي وعدناه بالجنة وما فيها من النعم التي لا تحصى فهو لاقيه : أي مدركه لا محالة فإن الله لا يخلف الميعاد ( كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ) فأعطى منها بعض ما أراد مع سرعة زواله وتنغيصه ( ثم هو يوم القيامة من المحضرين ) هذا معطوف على قوله " متعناه " داخل معه في حيز الصلة مؤكد لإنكار التشابه ومقرر له ، والمعنى : ثم هذا الذي متعناه هو يوم القيامة من المحضرين النار ، وتخصيص المحضرين بالذين أحضروا للعذاب اقتضاه المقام ، والاستفهام للإنكار : أي ليس حالهما سواء ، فإن الموعود بالجنة لا بد أن يظفر بما وعد به مع أنه لا يفوته نصيبه من الدنيا ، وهذا حال المؤمن . وأما حال الكافر فإنه لم يكن معه إلا مجرد التمتيع بشئ من الدنيا يستوي فيه هو والمؤمن ، وينال كل واحد منهما حظه منه ، وهو صائر إلى النار ، فهل يستويان ؟ قرأ الجمهور " ثم هو " بضم الهاء . وقرأ الكسائي وقالون بسكون الهاء إجراء لثم مجرى الواو والفاء ، وانتصاب يوم