من أرضنا : أي يتخطفنا العرب من أرضنا : يعنون مكة ولا طاقة لنا بهم ، وهذا من جملة أعذارهم الباطلة
وتعلللاتهم العاطلة ، والتخطف في الأصل هو الانتزاع بسرعة . قرأ الجمهور " نتخطف " بالجزم جوابا للشرط ،
وقرأ المنقري بالرفع على الاستئناف . ثم رد الله ذلك عليهم ردا مصدرا باستفهام التوبيخ والتقريع فقال ( أو لم
نمكن لهم حرما آمنا ) أي ألم نجعل لهم حرما ذا أمن . قال أبو البقاء : عداه بنفسه لأنه بمعنى جعل كما صرح بذلك
في قوله - أو لم يروا أنا جعلنا حرما - ، ثم وصف هذا الحرم بقوله ( يجبي إليه ثمرات كل شئ ) أي تجمع إليه
الثمرات على اختلاف أنواعها من الأراضي المختلفة وتحمل إليه . قرأ الجمهور " يجبي " بالتحتية اعتبارا بتذكير كل
شئ ووجود الحائل بين الفعل وبين ثمرات ، وأيضا ليس تأنيث ثمرات بحقيقي ، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد
لما ذكرنا ، وقرأ نافع بالفوقية اعتبارا بثمرات . وقرأ الجمهور أيضا " ثمرات " بفتحتين ، وقرأ " أبان " بضمتين ،
جمع ثمر بضمتين ، وقرئ بفتح الثاء وسكون الميم ( رزقا من لدنا ) منتصب على المصدرية لأن معنى يجبي :
نرزقهم ، ويجوز أن ينتصب على أنه مفعول له لفعل محذوف : أي نسوقه إليهم رزقا من لدنا ، ويجوز أن ينتصب
على الحال أي رازقين ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) لفرط جهلهم ومزيد غفلتهم وعدم تفكرهم في أمر معادهم
ورشادهم لكونهم من طبع الله على قلبه وجعل على بصره غشاوة .
وقد أخرج الفريابي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي معا
في الدلائل عن أبي هريرة في قوله ( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) قال : نودوا يا أمة محمد أعطيتكم قبل أن
تسألوني ، واستجبت لكم قبل أن تدعوني . وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا . وأخرجه
عبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عنه من وجه آخر بنحوه . وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل
وأبو نصر السجزي في الإبانة والديلمي عن عمرو بن عبسة قال : " سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله
( وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ) ما كان النداء وما كانت الرحمة ؟ قال : كتبه الله قبل أن يخلق خلقه بألفي عام ،
ثم وضعه على عرشه ، ثم نادى : يا أمة محمد سبقت رحمتي غضبي ، أعطيتكم قبل أن تسألوني ، وغفرت لكم قبل
أن تستغفروني ، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبدي ورسولي صادقا أدخلته الجنة " . وأخرج
الختلي في الديباج عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعا مثله . وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم عن حذيفة في قوله ( وما
كنت بجانب الطور إذ نادينا ) مرفوعا ، قال نودوا : يا أمة محمد ما دعوتمونا إذ استجبنا لكم ، ولا سألتمونا إذ
أعطيناكم . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا " إن الله نادى : يا أمة محمد أجيبوا ربكم ، قال : فأجابوا وهم
في أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم إلى يوم القيامة فقالوا : لبيك أنت ربنا حقا ، ونحن عبيدك حقا ، قال : صدقتم
أنا ربكم وأنتم عبيدي حقا ، قد عفوت عنكم قبل أن تدعوني ، وأعطيتكم قبل أن تسألوني ، فمن لقيني منكم
بشهادة أن لا إله إلا الله دخل الجنة . وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه
وآله وسلم : الهالك في الفترة يقول : رب لم يأتني كتاب ولا رسول ، ثم قرأ هذه الآية ( ربنا لولا أرسلت إلينا
رسولا ) . وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( قالوا ساحران تظاهرا ) الخ : قال :
هم أهل الكتاب ( إنا بكل كافرون ) يعني بالكتابين : التوراة والفرقان . وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن
المنذر وابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي والبارودي وابن قانع الثلاثة في معاجم الصحابة . والطبراني وابن مردويه
بسند جيد عن رفاعة القرظي قال : نزلت ( ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ) إلى قوله ( أولئك يؤتون أجرهم
مرتين ) في عشرة رهط أنا أحدهم . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس ( الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به
فتح القدير — صفحة 179
مساهمون: الشوكاني
ص١٧٩