تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
مضى الخلفاء في أمر رشيد * وأصبحت المدينة للوليد ( إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ) أن هي المخففة من الثقيلة ، واسمها ضمير شان محذوف : أي إنها كادت لتظهر أمر موسى وأنه ابنها من فرط ما دهمها من الدهش والخوف والحزن ، من بدا يبدو : إذا ظهر ، وأبدى يبدي : إذا أظهر ، وقيل الضمير في به عائد إلى الوحي الذي أوحى إليها ، والأول أولى . وقال الفراء : إن كانت لتبدي باسمه لضيق صدرها لولا أن ربطنا على قلبها . قال الزجاج : ومعنى الربط على القلب : إلهام الصبر وتقويته ، وجواب لولا محذوف : أي لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت ، واللام في ( ولتكون من المؤمنين ) متعلق بربطنا ، والمعنى : ربطنا على قلبها لتكون من المصدقين بوعد الله وهو قوله " إنا رادوه إليك " قيل والباء في " لتبدي به " زائدة للتأكيد . والمعنى : لتبديه كما تقول أخذت الحبل وبالحبل . وقيل المعنى : لتبدي القول به ( وقالت لأخته قصيه ) أي قالت أم موسى لأخت موسى وهي مريم قصيه : أي تتبعي أثره واعرفي خبره وانظري أين وقع وإلى من صار ؟ يقال قصصت الشئ : إذا اتبعت أثره متعرفا لحاله ( فبصرت به عن جنب ) أي أبصرته عن بعد ، وأصله عن مكان جنب ، ومنه الأجنبي . قال الشاعر : فلا تحرميني أو نائلا عن جنابة * فإني امرؤ وسط الديار غريب وقيل المراد بقوله " عن جنب " عن جانب ، والمعنى أنها أبصرت إليه متجانفة مخاتلة ، ويؤيد ذلك قراءة النعمان بن سالم عن جانب ، ومحل عن جنب النصب على الحال إما من الفاعل : أي بصرت به مستخفية كائنة عن جنب ، وإما من المجرور : أي بعيدا منها . قرأ الجمهور " بصرت به " بفتح الباء وضم الصاد ، وقرأ قتادة بفتح الصاد وقرأ عيسى بن عمر بكسرها . قال المبرد : أبصرته وبصرت به بمعنى ، وقرأ الجمهور " عن جنب " بضمتين ، وقرأ قتادة والحسن والأعرج وزيد بن علي بفتح الجيم وسكون النون ، وروي عن قتادة أيضا أنه قرأ بفتحهما . وروي عن الحسن أيضا أنه قرأ بضم الجيم وسكون النون . وقال أبو عمرو بن لعلاء : إن معنى " عن جنب " عن شوق . قال : وهي لغة جذام يقولون : جنبت إليك : أي اشتقت إليك ( وهم لا يشعرون ) أنها تقصه وتتبع خبره وأنها أخته ( وحرمنا عليه المراضع ) المراضع جمع مرضع : أي منعناه أن يرضع من المرضعات . وقيل المراضع جمع مرضع بفتح الضاد ، وهو الرضاع أو موضعه ، وهو الثدي ، ومعنى ( من قبل ) من قبل أن نرده إلى أمه ، أو من قبل أن تأتيه أمه ، أو من قبل قصها لأثره ، وقد كانت امرأة فرعون طلبت لموسى المرضعات ليرضعنه ، فلم يرضع من واحدة منهم ، ( ف ) عند ذلك ( قالت ) أي أخته لما رأت امتناعه من الرضاع ( هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم ) أي يضمنون لكم القيام به وإرضاعه ( وهم له ناصحون ) أي مشفقون عليه لا يقصرون في إرضاعه وتربيته . وفي الكلام حذف ، والتقدير : فقالوا لها من هم ؟ فقالت أمي ، فقيل لها : وهل لأمك لبن ؟ قالت نعم لبن أخي هارون : فدلتهم على أم موسى فدفعوه إليها ، فقبل ثديها ، ورضع منه ، وذلك معنى قوله سبحانه ( فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ) بولدها ( ولا تحزن ) على فراقه ( ولتعلم أن وعد الله ) أي جميع وعده ، ومن جملة ذلك ما وعدها بقوله " إنا رادوه إليك " ( حق ) لا خلف فيه واقع لا محالة ( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) أي أكثر آل فرعون لا يعلمون بذلك ، بل كانوا في غفلة عن القدر وسر القضاء ، أو أكثر الناس لا يعلمون بذلك أو لا يعلمون أن الله وعدها بأن يرده إليها . وقد أخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ( وجعل أهلها شيعا ) قال : فرق بينهم . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة ( وجعل
فتح القدير — صفحة 161 | الشوكاني