تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
لا ليكون عدوا فكان عاقبة ذلك إنه كان لهم عدوا وحزنا ، ولما كانت هذه العداوة نتيجة لفعلهم وثمرة له شبهت بالداعي الذين يفعل الفاعل الفعل لأجله ، ومن هذا قول الشاعر : * لدوا للموت وابنوا للخراب * وقول الآخر : وللمنايا تربي كل مرضعة * ودورنا لخراب الدهر نبنيها قرأ الجمهور وحزنا بفتح الحاء والزاي ، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف وحزنا بضم الحاء وسكون الزاي ، واختار القراءة الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم ، وهما لغتان كالعدم والعدم ، والرشد والرشد ، والسقم والسقم ، وجملة ( إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين ) لتعليل ما قبلها ، أو للاعتراض لقصد التأكيد ، ومعنى خاطئين : عاصين آثمين في كل أفعالهم وأقوالهم ، وهو مأخوذ من الخطأ المقابل للصواب ، وقرئ خاطين بياء من دون همزة فيحتمل أن يكون معنى هذه القراءة معنى قراءة الجمهور ولكنها خففت بحذف الهمزة ، ويحتمل أن تكون من خطا يخطو : أي تجاوز الصواب ( وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك ) أي قالت امرأة فرعون لفرعون ، وارتفاع قرة على أنه خبر مبتدأ محذوف ، قاله الكسائي وغيره . وقيل على أنه مبتدأ وخبره ( لا تقتلوه ) قاله الزجاج ، والأول أولى . وكان قولها لهذا القول عند رؤيتها له لما وصل إليها وأخرجته من التابوت وخاطبت بقولها " لا تقتلوه " فرعون ومن عنده من قومه ، أو فرعون وحده على طريقة التعظيم له . وقرأ عبد الله بن مسعود " وقالت امرأة فرعون لا تقتلوه قرة عين لي ولك " ويجوز نصب قرة بقوله لا تقتلوه على الاشتغال . وقيل إنها قالت : لا تقتلوه فإن الله أتى به من أرض بعيدة وليس من بني إسرائيل . ثم عللت ما قالته بالترجي منها لحصول النفع منه لهم ، أو التبني له فقالت ( عسى أن ينفعنا ) فنصيب منه خيرا ( أو نتخذه ولدا ) وكانت لا تلد فاستوهبته من فرعون فوهبه لها ، وجملة ( وهم لا يشعرون ) في محل نصب على الحال : أي وهم لا يشعرون أنهم على خطأ في التقاطه ، ولا يشعرون أن هلاكهم على يده ، فتكون حالا من آل فرعون ، وهي من كلام الله سبحانه . وقيل هي من كلام المرأة : أي وبنو إسرائيل لا يدرون أنا التقطناه وهم لا يشعرون ، قاله الكلبي ، وهو بعيد جدا . وقد حكى الفراء عن السدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن قوله " لا تقتلوه " من كلام فرعون واعترضه بكلام يرجع إلى اللفظ ، ويكفي في رده ضعف إسناده ( وأصبح فؤاد أم موسى فارغا ) قال المفسرون : معنى ذلك أنه فارغ من كل شئ إلا من أمر موسى كأنها لم تهتم بشئ سواه . قال أبو عبيدة : خاليا من ذكر كل شئ في الدنيا إلا من ذكر موسى . وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد : فارغا مما أوحى إليها من قوله " ولا تخافي ولا تحزني " ، وذلك لما سول الشيطان لها من غرقه وهلاكه . وقال الأخفش : فارغا من الخوف والغم لعلمها أنه لم يغرق بسبب ما تقدم من الوحي إليها ، وروي مثله عن أبي عبيدة أيضا . وقال الكسائي : ناسيا ذاهلا . وقال العلاء ابن زياد نافرا . وقال سعيد بن جبير : والها كادت تقول وا ابناه من شدة الجزع . وقال مقاتل : كادت تصيح شفقة عليه من الغرق . وقيل المعنى : أنها لما سمعت بوقوعه في يد فرعون طار عقلها من فرط الجزع والدهش . قال النحاس : وأصح هذه الأقوال الأول ، والذين قالوه أعلم بكتاب الله . فإذا كان فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى فهو فارغ من الوحي ، وقول من قال فارغا من الغم غلط قبيح لأن بعده " إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها " وقرأ فضالة بن عبيد الأنصاري ومحمد بن السميفع وأبو العالية وابن محيصن " فزعا " بالفاء والزاي والعين المهملة من الفزع : أي خائفا وجلا . وقرأ ابن عباس " قرعا " بالقاف المفتوحة والراء المهملة المسكورة والعين المهملة من قرع رأسه : إذا انحسر شعره ، ومعنى وأصبح وصار : كما قال الشاعر :