تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
عليها ( فيقولوا هل نحن منظرون ) أي مؤخرون وممهلون . قالوا هذا تحسرا على ما فات من الإيمان ، وتمنيا للرجعة إلى الدنيا لاستدراك ما فرط منهم . وقيل إن المراد بقولهم ( هل نحن منظرون ) الاستعجال للعذاب على طريقة الاستهزاء لقوله ( أفبعذابنا يستعجلون ) ولا يخفى ما في هذا من البعد والمخالفة للمعنى الظاهر ، فإن معنى ( هل نحن منظرون ) طلب النظرة والإمهال ، وأما قوله ( أفبعذابنا يستعجلون ) فالمراد به الرد عليهم والإنكار لما وقع منهم من قولهم - أمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم - وقولهم - فأتنا بما تعدنا - ( أفرأيت إن متعناهم سنين ) الاستفهام للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام كما مر في غير موضع ، ومعنى أرأيت أخبرني ، والخطاب لكل من يصلح له : أي أخبرني إن متعناهم سنين في الدنيا متطاولة ، وطولنا لهم الأعمار ( ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ) من العذاب والهلاك ( ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) ما هي الاستفهامية ، والمعنى : أي شئ أغنى عنهم كونهم ممتعين ذلك التمتع الطويل ، و " ما " في ما كانوا يمتعون يجوز أن تكون المصدرية ، ويجوز أن تكون الموصولة والاستفهام للإنكار التقريري ، ويجوز أن تكون ما الأولى نافية ، والمفعول محذوف : أي لم يغن عنهم تمتيعهم شيئا ، وقرئ يمتعون بإسكان الميم وتخفيف التاء من أمتع الله زيدا بكذا ( وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون ) من مزيدة للتأكيد : أي وما أهلكنا قرية من القرى إلا لها منذرون . وجملة ( إلا لها منذرون ) يجوز أن تكون صفة لقرية ، ويجوز أن تكون حالا منها ، وسوغ ذلك سبق النفي ، والمعنى : ما أهلكنا قرية من القرى إلا بعد الأنذار إليهم والإعذار بإرسال الرسل وإنزال الكتب ، وقوله ( ذكرى ) بمعنى تذكرة ، وهي في محل نصب على العلة أو المصدرية . وقال الكسائي : ذكرى في موضع نصب على الحال ، وقال الفراء والزجاج : إنها في موضع نصب على المصدرية : أي يذكرون ذكرى . قال النحاس : وهذا قول صحيح ، لأن معنى ( إلا لها منذرون ) إلا لها مذكرون . قال الزجاج : ويجوز أن يكون ذكرى في موضع رفع على أنها خبر مبتدأ محذوف : أي إنذارنا ذكرى ، أو ذلك ذكرى . قال ابن الأنباري : المعنى هي ذكرى ، أو يذكرهم ذكرى ، وقد رجح الأخفش أنها خبر مبتدأ محذوف ( وما كنا ظالمين ) في تعذيبهم ، فقد قدمنا الحجة إليهم وأنذرناهم وأعذرنا إليهم ( وما تنزلت به الشياطين ) أي بالقرآن ، وهذا رد لما زعمه الكفرة في القرآن أنه من قبيل ما يلقيه الشياطين على الكهنة ( وما ينبغي لهم ) ذلك ، ولا يصح منهم ( وما يستطيعون ) ما نسبه الكفار إليهم أصلا ( إنهم عن السمع ) للقرآن ، أو لكلام الملائكة ( لمعزولون ) محجوبون مرجومون بالشهب . وقرأ الحسن وابن السميفع والأعمش " وما تنزلت به الشياطين " بالواو والنون إجراء له مجرى جمع السلامة . قال النحاس : وهذا غلط عند جميع النحويين . قال : وسمعت علي بن سليمان يقول : سمعت محمد بن يزيد يقول : هذا من غلط العلماء ، وإنما يكون بشبهة لما رأى الحسن في آخره ياء ونونا ، وهو في موضع رفع اشتبه عليه بالجمع السالم فغلط . قال الفراء : غلط الشيخ : يعني الحسن ، فقيل ذلك للنضر بن شميل فقال : إن جاز أن يحتج بقول رؤبة والعجاج وذويهما جاز أن يحتج بقول الحسن وصاحبه : يعني محمد بن السميفع مع أنا نعلم أنهما لم يقرأ بذلك إلا وقد سمعا فيه شيئا . وقال المؤرج : إن كان الشيطان من شاط يشيط كان لقراءتهما وجه . قال يونس بن حبيب : سمعت أعرابيا يقول : دخلنا بساتين من ورائها بساتون . ثم لما قرر سبحانه حقية القرآن وأنه منزل من عنده أمر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بدعاء الله وحده فقال ( ولا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين ) وخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا مع كونه منزها عنه معصوما منه لحث العباد على التوحيد ونهيهم عن شوائب الشرك ، وكأنه قال : أنت أكرم الخلق علي وأعزهم عندي ولو اتخذت معي إلها لعذبتك ، فكيف بغيرك من العباد ( وأنذر عشيرتك الأقربين ) خص الأقربين لأن