تخطي إلى المحتوى الرئيسي

فتح القدير — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
يكن لهؤلاء علامة دالة على أن القرآن حق ، وأنه تنزيل رب العالمين . وأنه في زبر الأولين . أن يعلمه علماء بني إسرائيل على العموم ، أو من آمن منهم كعبد الله بن سلام ، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين لأنهم كانوا يرجعون إليهم ويصدقونهم . قرأ ابن عامر " تكن " بالفوقية ، وآية بالرفع على أنها اسم كان ، وخبرها أن يعلمه الخ ، ويجوز أن تكون تامة ، وقرأ الباقون " يكن " بالتحتية وآية بالنصب على أنها خبر يكن ، واسمها أن يعلمه الخ . قال الزجاج : أن يعلمه اسم يكن وآية خبره . والمعنى : أو لم يكن لهم علماء بني إسرائيل أن محمدا نبي حق علامة ودلالة على نبوته ، لأن العلماء الذين آمنوا من بني إسرائيل كانوا يخبرون بوجود ذكره في كتبهم ، وكذا قال الفراء ، ووجها قراءة الرفع بما ذكرنا . وفى قراءة ابن عامر نظر ، لأن جعل النكرة اسما والمعرفة خبرا غير سائغ ، وإن ورد شاذا في مثل قول الشاعر : * فلا يك موقف منك الوداعا * وقول الآخر : * وكان مزاجها عسل وماء * ولا وجه لما قيل إن النكرة قد تخصصت بقولهم " لهم " لأنه في محل نصب على الحال والحال صفة في المعنى ، فأحسن ما يقال في التوجيه ما قدمنا ذكره من أن يكن تامة ( ولو نزلناه على بعض الأعجمين ) أي لو أنزلنا القرآن على الصفة التي هو عليها على رجل من الأعجمين الذي لا يقدرون على التكلم بالعربية ( فقرأه عليهم ) قراءة صحيحة ( ما كانوا به مؤمنين ) مع انضمام إعجاز القراءة من الرجل الأعجمي للكلام العربي إلى إعجاز القران . وقيل المعنى : ولو نزلناه على بعض الأعجمين بلغة العجم فقرأه عليهم بلغته لم يؤمنوا به وقالوا : ما نفقه هذا ولا نفهمه ، ومثل هذا قوله " ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته " يقال رجل أعجم وأعجمي إذا كان غير فصيح اللسان وإن كان عربيا ، ورجل عجمي إذا كان أصله من العجم وإن كان فصيحا ، إلا أن الفراء أجاز أن يقال رجل عجمي بمعنى أعجمي وقرأ الحسن " على بعض الأعجميين " وكذلك قرأ الجحدري . قال أبو الفتح بن جني : أصل الأعجمين الأعجميين ، ثم حذفت ياء النسب ، وجعل جمعه بالياء والنون دليلا عليها ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين ) أي مثل ذلك السلك سلكناه : أي أدخلناه في قلوبهم : يعني القرآن حتى فهموا معانيه وعرفوا فصاحته وأنه معجز . وقال الحسن وغيره : سلكنا الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين . وقال عكرمة : سلكنا القسوة . والأول أولى ، لأن السياق في القرآن وجملة ( لا يؤمنون ) تحتمل وجهين : الأول الاستئناف على جهة البيان والإيضاح لما قبلها . والثاني أنها في محل نصب على الحال من الضمير في سلكناه ، ويجوز أن يكون حالا من المجرمين . وأجاز الفراء الجزم في لا يؤمنون ، لأن فيه معنى الشرط والمجازاة ، وزعم أن من شأن العرب إذا وضعت لا موضع كيلا مثل هذا ربما جزمت ما بعدها ، وربما رفعت ، فتقول ربطت الفرس لا ينفلت بالرفع والجزم لأن معناه : إن لم أربطه ينفلت ، وأنشد لبعض بنى عقيل : وحتى رأينا أحسن الفعل بيننا * مساكنه لا يقرب الشر قارب بالرفع ، ومن الجزم قول الآخر : لطال ما حللتماها لا ترد * فخلياها والسخال تبترد قال النحاس : وهذا كله في لا يؤمنون خطأ عند البصريين ، ولا يجوز الجزم بلا جازم ( حتى يروا العذاب الأليم ) أي لا يؤمنون إلى هذه الغاية وهي مشاهدتهم للعذاب الأليم ( فيأتيهم ) العذاب ( بغتة ) أي فجأة ( و ) الحال ( أنهم لا يشعرون ) بإتيانه ، وقرأ الحسن فتأتيهم بالفوقية : أي الساعة وإن لم يتقدم لها ذكر ، لكنه قد دل العذاب