تكون استفهامية في محل رفع : أي أينا يأتيه عذاب يخزيه ، وقيل في موضع رفع بالابتداء ، ويأتيه الحبر ، ويخزيه
صفة لعذاب . قال الكسائي : إن ناسا من أهل الحجاز يقولون سوف تعلمون ، قال : ومن قال ستعلمون أسقط
الواو والفاء جميعا ، وجوز الكوفيون " سف تعلمون " ومنعه البصريون ، والمراد بعذاب الخزي : العذاب الذي
يخزي صاحبه ويحل عليه العار . قوله ( حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور ) حتى هي الابتدائية دخلت على الجملة
الشرطية وجعلت غاية لقوله : واصنع الفلك بأعيننا .
والتنور اختلف في تفسيرها على أقوال : الأول أنها وجه الأرض والعرب تسمى وجه الأرض تنورا ، روى
ذلك عن ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة . الثاني أنه تنور الخبز الذي يخبزونه فيه ، وبه قال مجاهد وعطية
والحسن ، وروى عن ابن عباس أيضا . الثالث أنه موضع اجتماع الماء في السفينة ، روى عن الحسن . الرابع أنه
طلوع الفجر ، من قولهم تنور الفجر ، روى عن علي بن أبي طالب . الخامس أنه مسجد الكوفة ، روى عن علي
أيضا ومجاهد ، قال مجاهد : كان ناحية التنور بالكوفة . السادس أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة ، قاله قتادة .
السابع أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة ، روى ذلك عن عكرمة . الثامن أنه موضع بالهند ، قال ابن عباس :
كان تنور آدم بالهند . قال النحاس : وهذه الأقوال ليست بمتناقضة ، لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء
من السماء والأرض ، قال - ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر . وفجرنا الأرض عيونا - فهذه الأقوال تجتمع في أن
ذلك كان علامة ، هكذا قال ، وفيه نظر ، فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع ، ولا يستقيم عليه التفسير بنبع الماء .
إلا إذا كان المراد مجرد العلامة كما ذكره آخرا . وقد ذكر أهل اللغة أن الفور : الغليان ، والتنور : اسم عجمي
عربته العرب ، وقيل معنى فار التنور : التمثيل بحضور العذاب كقولهم : حمى الوطيس : إذا اشتد الحرب ، ومنه
قول الشاعر :
تركتم قدركم لا شئ فيها * وقدر القوم حامية تفور * يريد الحرب
قوله ( قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ) أي قلنا يا نوح احمل في السفينة من كل زوجين مما في
الأرض من الحيوانات اثنين ذكرا وأنثى . وقرأ حفص " من كل " بتنوين كل : أي من كل شئ زوجين ،
والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر ، ويطلق على كل واحد منهما زوج كما يقال للرجل زوج
وللمرأة زوج ، ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلا للفرد ، ويطلق الزوج على الضرب والصنف ، ومثله
قوله تعالى - وأنبتت من كل زوج بهيج - ، ومثله قول الأعشى :
وكل ضرب من الديباج يلبسه * أبو حذافة مخبو بذاك معا
أراد كل صنف من الديباج ( وأهلك ) عطف على زوجين ، أو على اثنين على قراءة حفص ، وعلى محل كل
زوجين ، فإنه في محل نصب باحمل ، أو على اثنين على قراءة الجمهور ، والمراد : امرأته وبنوه ونساؤهم ( إلا من
سبق عليه القول ) أي من تقدم الحكم عليه بأنه من المغرقين في قوله ( ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون )
على الاختلاف السابق فيهم ، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة ( احمل فيها من
كل زوجين اثنين وأهلك ) ومن قال المراد بهم ولده كنعان وامرأته واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك ،
ويكون متصلا إن أريد بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم ، ومنقطعا إن أريد بالأهل المسلمون منهم فقط .
قوله ( ومن آمن ) معطوف على أهلك : أي واحمل في السفينة من آمن من قومك ، وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية
فتح القدير — صفحة 498
مساهمون: الشوكاني
ص٤٩٨