بهم ، أو للاستثناء منهم على القول الآخر . ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به فقال
( وما آمن معه إلا قليل ) قيل هم ثمانون إنسانا : منهم ثلاثة من بنيه ، وهو سام ، وحام ، ويافث ، وزوجاتهم ،
ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين ، وهي موجودة بناحية الموصل ، وقيل كانوا عشرة ، وقيل
سبعة ، وقيل كانوا اثنين وسبعين ، وقيل غير ذلك . قوله ( وقال اركبوا فيها ) القائل نوح ، وقيل الله سبحانه .
والأول أولى لقوله ( إن ربي لغفور رحيم ) والركوب : العلو على ظهر الشئ حقيقة نحو ركب الدابة ، أو مجازا
نحو ركبه الدين ، وفي الكلام حذف : أي اركبوا الماء في السفينة فلا يرد أن ركب يتعدى بنفسه ، وقيل إن
الفائدة في زيادة ( في ) أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها ، وقيل إنها زيدت لرعاية جانب المحلية
في السفينة كما في قوله - فإذا ركبوا في الفلك - ، وقوله - حتى إذا ركبا في السفينة - قيل ولعل نوحا قال هذه
المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله من الأزواج ، كأنه قيل : فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك ، وقال للمؤمنين ،
ويمكن أن يقال إنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل والمؤمنين ، ولا يمتنع أن يفهم خطابه
من لا يعقل من الحيوانات ، أو يكون هذا على طريقة التغليب . قوله ( بسم الله ) متعلق باركبوا ، أو حال من
فاعله : أي مسمين الله ، أو قائلين ( بسم الله مجراها ومرساها ) قرأ أهل الحرمين وأهل البصرة بضم الميم فيهما إلا من
شذ منهم على أنهما اسما زمان ، وهما في موضع نصب على الظرفية : أي وقت مجراها ومرساها ، ويجوز أن يكونا
مصدرين : أي وقت إجرائها وإرسائها . وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وحفص " مجراها " بفتح الميم ، ومرساها
بضمها ، وقرأ يحيى بن وثاب بفتحها فيهما . وقرأ مجاهد وسليمان بن جندب وعاصم الجحدري وأبو رجاء العطاردي
" مجريها ومرسيها " على أنهما وصفان لله ويجوز أن يكونا في موضع رفع باضمار مبتدأ : أي هو مجريها ومرسيها
( إن ربي لغفور ) للذنوب ( رحيم ) بعباده ، ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلا منه لبقاء هذا الجنس الحيواني ،
وعدم استئصاله بالغرق قوله ( وهي تجري بهم في موج كالجبال ) هذه الجملة متصلة بجملة محذوفة دل عليها
الأمر بالركوب والتقدير : فركبوا مسمين وهي تجري بهم ، والموج جمع موجة ، وهي ما ارتفع عن جملة الماء
الكثير عند اشتداد الريح ، وشبهها بالجبال المرتفعة على الأرض . قوله ( ونادى نوح ابنه ) هو كنعان ، قيل وكان
كافرا ، واستبعد كون نوح ينادي من كان كافرا مع قوله - رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا - ،
وأجيب بأنه كان منافقا فظن نوح أنه مؤمن ، وقيل حملته شفقة الأبوة على ذلك ، وقيل إنه كان ابن امرأته ولم يكن
بابنه ، ويؤيده ما روى أن عليا قرأ ونادى نوح ابنها ، وقيل إنه كان لغير رشدة ، وولد على فراش نوح . ورد
بأن قوله ( ونادى نوح ابنه ) ، وقوله ( إن ابني من أهلي ) يدفع ذلك على ما فيه من عدم صيانة منصب النبوة ( وكان
في معزل ) أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح : اركبوا فيها ، وقيل في معزل من
دين أبيه ، وقيل من السفينة ، قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق ، بل كان في أول فور التنور . قوله
( يا بنى اركب معنا ) قرأ عاصم بفتح الياء ، والباقون بكسرها ، فأما الكسر فلجعله بدلا من ياء الإضافة ، لأن
الأصل يا بني ، وأما الفتح فلقلب ياء الإضافة ألفا لخفة الألف ، ثم حذف الألف وبقيت الفتحة لتدل عليه . قال النحاس : وقراءة عاصم مشكلة وقال أبو حاتم أصله يا بنياه ثم تحذف . وقد جعل الزجاج للفتح وجهين ،
وللكسر وجهين . أما الفتح بالوجه الأول ما ذكرناه ، والوجه الثاني أن تحذف الألف لالتقاء الساكنين . وأما
الكسر فالوجه الأول ما ذكرناه ، والثاني أن تحذف لالتقاء الساكنين كذا حكى عنه النحاس . وقرأ أبو عمرو
والكسائي وحفص ( اركب معنا ) بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج . وقرأ الباقون بعدم الإدغام ( ولا تكن
فتح القدير — صفحة 499
مساهمون: الشوكاني
ص٤٩٩