ملك ) حتى تقولوا ما نراك إلا بشرا مثلنا . وقد استدل بهذا من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء ، والأدلة في هذه
المسئلة مختلفة ، وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة ، فليست مما كلفنا الله بعلمه ( ولا أقول للذين تزدري
أعينكم ) أي تحتقر ، والازدراء مأخوذ من أزري عليه : إذا عابه ، وزرى عليه : إذا احتقره ، وأنشد الفراء :
يباعده الصديق وتزدريه * خليلته وينهره الصغير
والمعنى : إني لا أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم وتحتقرونهم ( لن يؤتيهم الله خيرا ) بل قد
آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه ، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل ،
ولا يضرهم احتقاركم لهم شيئا ( الله أعلم بما في أنفسهم ) من الإيمان به والإخلاص له فمجازيهم على ذلك ، ليس لي
ولا لكم من أمرهم شئ ( إني إذا لمن الظالمين ) لهم إن فعلت ما تريدونه بهم ، أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك
بهم ، ثم جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه عجزا عن القيام بالحجة وقصورا عن رتبة المناظرة وانقطاعا عن
المباراة بقولهم ( يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا ) أي خاصمتنا بأنواع الخصام ، ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في
المقام ، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال ، فقد ضاقت علينا المسالك وانسدت أبواب الحيل ( فأتنا بما تعدنا ) من
العذاب الذي تخوفنا منه وتخافه علينا ( إن كنت من الصادقين ) فيما تقوله لنا ، فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو
بمشيئة الله وإرادته ، و ( قال إنما يأتيكم به الله إن شاء ) فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم ، وإن قضت
مشيئته وحكمته بتأخيره أخره ( وما أنتم بمعجزين ) بفائتين عما أراده الله بكم بهرب أو مدافعة ( ولا ينفعكم نصحي )
الذي أبذله لكم وأستكثر منه قياما مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته ، ولكم بإيضاح الحق وبيان بطلان ما أنتم
عليه ( إن أردت أن أنصح لكم ) وجواب هذا الشرط محذوف ، والتقدير : إن أردت أن أنصح لكم لا ينفعكم
نصحي ، كما يدل عليه ما قبله ( إن كان الله يريد أن يغويكم ) أي إن كان الله يريد إغواءكم فلا ينفعكم النصح
مني ، فكان جواب هذا الشرط محذوفا كالأول ، وتقديره ما ذكرنا ، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع
من تقدم الجزاء على الشرط ، وأما على مذهب من يجيزه ، فجزاء الشرط الأول ولا ينفعكم نصحي . وجزاء الشرط
الثاني الجملة الشرطية الأولى وجزاؤها . قال ابن جرير : معنى يغويكم يهلككم بعذابه ، وظاهر لغة العرب أن
الإغواء الإضلال ، فمعنى الآية : لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد ويخذلكم عن طريق
الحق ، وحكى عن طي أصبح فلان غاويا : أي مريضا ، وليس هذا المعنى هو المراد في الآية . وقد ورد الإغواء
بمعنى الإهلاك ، ومنه - فسوف يلقون غيا - وهو غير ما في هذه الآية ( هو ربكم ) فإليه الإغواء وإليه الهداية ( وإليه
ترجعون ) فيجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .
وقد أخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس في قوله ( وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي )
قال : فيما ظهر لنا . وأخرج أبو الشيخ عن عطاء مثله . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن جريج في قوله ( إن
كنت على بينة من ربي ) قال : قد عرفتها وعرفت بها أمره ، وأنه لا إله إلا هو ، ( وآتاني رحمة من عنده ) قال :
الإسلام الهدى والإيمان والحكم والنبوة . وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن قتادة في قوله ( أنلزمكموها ) قال :
أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه ، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه . وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير
وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس أنه كان يقرأ " أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون "
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية قال في قراءة أبي " أنلزمكموها من شطر أنفسنا وأنتم لها كارهون " . وأخرج ابن
فتح القدير — صفحة 495
مساهمون: الشوكاني
ص٤٩٥