فبدأ يطوف ( 1 ) سرا على زعماء المسلمين ورجالات المدينة ، يعظهم
ويذكرهم ببراهين الحق وآياته ، وإلى جانبه قرينته تعزز موقفه وتشاركه في
جهاده السري ، ولم يكن يقصد بذلك التطواف إنشاء حزب يتهيأ له القتال به
لأننا نعرف أن عليا كان له حزب من الأنصار هتف باسمه ، وحاول الالتفاف
حوله وإنما أراد أن يمهد بتلك المقابلات لاجماع الناس عليه .
وهنا تجئ مسألة فدك لتحتل الصدارة في السياسة العلوية الجديدة ،
فإن الدور الفاطمي الذي رسم هارون النبوة خطوطه بإتقان ، كان متفقا مع
ذلك التطواف الليلي في فلسفته وجديرا بأن يقلب الموقف على الخليفة
وينهي خلافة الصديق كما تنتهي القصة التمثيلية لا كما يقوض حكم مركز
على القوة والعدة .
وكان الدور الفاطمي يتلخص في أن تطالب الصديقة الصديق بما
انتزعه منها من أموا ل ، وتجعل هذه المطالبة وسيلة للمناقشة في المسألة
الأساسية وأعني بها مسألة الخلافة وإفهام الناس بأن ا للحظة التي عدلوا فيها
عن علي عليه السلام إلى أبي بكر كانت لحظة هوس وشذوذ ( 2 ) ، وأنهم بذلك
أخطأوا وخالفوا كتاب ربهم ووردوا غير شربهم ( 3 ) .
هامش
( 1 ) راجع شرح نهج البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 13 ، الطبعة المحققة ، أخرج عن أبي جعفر
محمد بن علي عليهما السلام أن عليا حمل فاطمة على حمار وسار بها ليلا إلى بيوت الأنصار ،
يسألهم النصر ة ، وتسألهم فاطمة الانتصار له ) .
( 2 ) راجع : بلاغات النساء : 25 : قالت في هذا المعنى من خطبة لها عليها السلام : ( وأطلع الشيطان
رأسه من مغرزه ، صارخا بكم ، فوجدكم لدعائه مستجيبين ، وللغرة فيه ملاحظين ،
فاستنهضكم فوجدكم خفافا . . . فوسمتم غير إبلكم ) .
( 3 ) جاء في شرح البلاغة / ابن أبي الحديد 6 : 12 : قال علي عليه السلام في محاورة مع القوم :
( يا معشر المهاجرين الله الله ، لا تخرجوا سلطان محمد عن داره وبيته إلى بيوتكم ودوركم ،
ولا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس وحقه ، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق
بهذا الأمر منكم . . ) .