لنلاحظ ناحية أخرى فإن عليا لو ظفر بجماعة توافقه على دعواه ،
وتشهد له بالنصوص النبوية المقدسة ، وتعارض إنكار الفئة الحاكمة ، كان
معنى ذلك أن ترفض هذه الجماعة خلافة أبي بكر وتتعرض لهجوم شديد
من الحاكمين ينتهي بها إلى الاشتراك في حرب مع الحزب الحاكم المتحمس
لكيانه السياسي إلى حد بعيد ، فإنه لا يسكت عن هذا اللون من المعارضة
الخطرة . فمجاهرة علي بالنص كانت تجره إلى المقابلة العملية ، وقد عرفنا
سابقا أنه لم يكن مستعدة لاعلان الثورة على الوضع القائم والاشتراك مع
السلطات المهيمنة في قتال .
ولم يكن للاحتجاج بالنص أثر واضح من أن تتخذ السياسة الحاكمة
احتياطاتها وأساليبها الدقيقة لمحو تلك الأحاديث النبوية من الذهنية
الإسلامية ، لأنها تعرف حينئذ أن فيها قوة خطر على ا لخلافة القائمة ومادة
خصبة لثورة المعارضين في كل حين .
وإني أعتقد أن عمر لو التفت إلى ما تنبه إليه الأمويون بعد أن احتج
الأمام بالنصوص في أيام خلافته ( 1 ) ، واشتهرت بين شيعته ، من خطرها
لاستطاع أن يقطعها من أصولها ، ويقوم بما لم يقدر الأمويون عليه من إطفاء
نورها . وكان اعتراض الأمام بالنص في تلك الساعة ينبهه إلى ما يجب أن
ينتهجه من أسلوب فأشفق على النصوص المقدسة أن تلعب بها السياسة
هامش
( 1 ) أشهد الإمام علي عليه السلام جماعة المسلمين على نص حديث الغدير في زمن خلافته ، راجع :
البداية والنهاية / ابن كثير 7 : 360 ، وقد أشهد علي جمعا من الناس فشهد له ثلاثون أنهم
سمعوا هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، الصواعق المحرقة : 122 قال : رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
ثلاثون صحابيا ، وأن كثيرا من طرقه صحيح أو حسن . . . ) .