فصل :
وسوف نذكر حكايات تعرضها على عقله وفضله ، وهي وإن كانت
مشهورة ، إلا أن الانسان يحتاج إلى أن يذكر نفسه كل وقت بما يقربها إلى
صلاح فعله .
قال بعض العلماء : حادثوا هذه النفوس ، فإنها سريعة الدثور ( 1 ) ،
وإنكم إلا تحادثوها . تنزع بكم إلى شر غاية .
فمن الحكايات في تعذر رضى العباد ، حكاية عن لقمان وولده نذكر
معناها ، فهو كاف في المراد :
قد روي أن لقمان الحكيم قال لولده في وصيته : لا تعلق قلبك برضا
الناس ومدحهم وذمهم ، فإن ذلك لا يحصل ، ولو بالغ الانسان في تحصيله
بغاية قدرته .
فقال له ولده ما معناه : أحب أن أرى لذلك مثلا أو فعالا أو مقالا .
فقال له : أخرج أنا وأنت .
فخرجا ومعهما بهيم ، فركبه لقمان وترك ولده يمشي خلفه ( 2 ) ، فاجتازا ( 3 )
على قوم ، فقالوا : هذا شيخ قاسي القلب ، قليل الرحمة ، يركب هو
الدابة ، وهو أقوى من هذا الصبي ، ويترك هذا الصبي يمشي وراءه ، إن هذا
بئس التدبير .
فقال لولده : سمعت قولهم وإنكارهم لركوبي ومشيك ؟ فقال : نعم ، فقال :
إركب أنت يا ولدي حتى أمشي أنا . فركب ولده ومشى لقمان ، فاجتاز ( 4 )
هامش
( 1 ) دثور النفس : سرعة نسيانها " مجمع البحرين - دثر - 3 : 298 " .
( 2 ) في " د " و " ش " : وراءه .
( 3 ) في " م " : فاجتازوا .
( 4 ) في " م " : فاجتازوا .