عالية وأغوارا هاوية ، فليس كل ذلك إلا خطا رفاعيا أول - على التعبير العسكري
الحديث - يصد من تسول له نفسه التقدم إلى القلب .
ولم يلبث الجبل أن صار إلى يسارنا ، والوادي السحيق إلى يميننا ، وكانت
بعض القرى الشجراء تتناثر في الوادي .
وبعد السيارات الثلاث أقفر الطريق إقفارا كاملا ، وبقينا وحدنا في هذا
الطريق الطويل غير العريض .
ثم تشعبت الجبال والأودية إلى يميننا وتداخل بعضها في بعض ، وأخذنا
بالانحدار بعد التصعيد المستمر ، وفجأة أبصرنا ( منحلا ) كبيرا في وسط البرية
الواسعة المقفرة ، وأحسن مربو النحل اختيار المكان المعشب المزهر لاجتناء
العسل ، ولكن أين هم أصحاب هذا ( المنحل ) المنتشر على مساحة واسعة ؟ إننا لم
نحس إنسانا في طول هذا الطريق الطويل وفي عرض هذه الدنيا العريضة التي
نجتازها ! .
وأوغلنا في انحدار متواصل ففوجئنا بشاحنة ثم بأخرى في اتجاهنا ، واشتد
الانحدار اشتدادا سيوصلنا إلى الوادي العظيم الفاصل بين السلسلتين العظيمتين :
السلسلة التي ننحدر منها والسلسلة التي نمشي إليها . وتنوعت أمامنا مناظر الطبيعة
الأخاذة التي تشده بأفانين جمالها . كل ذلك في طريق مقفر وأرض خالية حتى
لتحسب أن لا بشر هنا .
وإذا كان الشاعر العربي القديم قال :
عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى * وصوت إنسان فكدت أطير
فإننا كنا نتمنى لو يعوي الذئب أو يصوت الإنسان فنستأنس بالاثنين ولا
نحس بوحشة الكون الخالي من الإنسان والحيوان .
وأبواق السيارات التي طالما دوت في آذاننا كريهة الدوي كنا نتمنى لو تدوي
هنا فتكون حبيبة الدوي سائغة الزعيق .
الإسماعيليون والمغول ونصير الدين الطوسي — صفحة 196
مساهمون: حسن الأمين
ص١٩٦