( مجموعة الوثائق الفاطمية ) ينتقل إلى مواضيع أخرى تتضمن وثائق لا علاقة لها
بالصراع العقيدي بين الفاطميين وبين الإسماعيليين النزاريين . وهنا لا يجوز أن
يفوتنا ما في هذه الوثائق من معلومات عن أساليب الصراع الفكري في ذلك العصر
وعن وسائل المتصارعين ، وأداة ما يمكن أن نسميه " الإعلام " الحكومي ، وعدم
لجوء هذا الإعلام إلى وسائل القهر ، بل اعتماده وسائل الإقناع مع ما في هذه
الوسائل من كلمات قاسية . فهو لا يلغي حق خصومه في مناقشة عقيدته ، ولا
يفرض عليهم رأيه بالقوة المادية من قتل وسجن وتعذيب وإرهاب ، بل يترك لهم
حرية الرد عليه والرد على الرد . وهذا مما تميز به الحكم الفاطمي .
ففي حين كان لا يجرؤ إنسان في كل عهود الحكام السابقين للفاطميين
واللاحقين لهم على أن يتفوه بما يناقض كلمة من كلماتهم أو أي رأي من آرائهم ، فإذا
فعل ، كان القتل مصيره المحتوم - نرى هنا كيف عامل الفاطميون مخالفيهم
ومناقضيهم في أساس عقيدتهم ، وكيف ردوا على الكلمة بكلمة مثلها لا بالسيف
وكيف قارعوا الحجة بالحجة لا بالإرهاب والموت .
والمصدر الثاني هو ما كتبه الكاتب الغربي ( بول آمير ) في كتابه ( سيد
الموت ) وهو الكتاب الذي ترجمه إلى اللغة الفارسية ذبيح الله منصوري ، ونقل لنا
مضمون ما جاء فيه عن هذا الموضوع بعض الأصحاب المجيدين للفارسية .
ويتلخص ذلك بأن الصفة التي أطلقت على النزاريين : ( الحشاشون ) هي في
الأصل صفة : ( الحشائشيون ) . وهي الصفة التي كانت تطلق في تلك العهود على
من يتعاطون جمع الحشائش البرية التي تستعمل هي نفسها أدوية ، أو تستقطر منها
الأدوية ، وقد كان يختص بذلك أفراد ، فيهم من هم الأطباء أو الصيادلة ، كان
يطلق على الواحد منهم لقب : ( الحشائشي ) حتى لقد أصبح ذلك مهنة من المهن
المشتهرة ، وكان لها أسواق خاصة بها وتجار يتعاطون بيع الحشائش الطبية
وشراءها ( 1 ) .
هامش
( 1 ) أدركنا في دمشق الأيام التي كان فيها كل دار تقريبا تربي خروفا وتعلفه ليكبر
ويسمن . وكان يمر على تلك الدور بائع الحشيش الذي يعلف به الخروف فيطرق
الباب ويصيح معلنا عن نفسه : ( الحشاش ) . وكان الصغار والكبار يلقبونه ب
( الحشاش ) . وتجئ كلمة أخرى عن هذا الموضوع في الآتي من القول .