أن الحس المشترك ينتقش من الصور الجائلة في معدن التخيل والتوهم أي الصور التي تتعلق بها فعال هاتين القوتين فإن المتخيلة إذا أخذت في التصرف فيها ارتسم ما يتعلق تصرفها ذلك به من الصور في الحس المشترك كما كانت هي أيضا تنتقش في معدن التخيل والتوهم من لوح الحس المشترك أي ينتقش ما يتعلق بالخيال والوهم من تلك الصور أو لواحقها فيهما عند حصول تلك الصور في الحس المشترك من الخارج وهذا يشبه تعاكس الصور في المرايا المتقابلة فهذا ما في الكتاب وقول الفاضل الشارح تجويز مشاهدة ما لا يكون موجودا في الخارج سفسطة معارض بمثله فإن إنكار مشاهدة المرضى لتلك الصور أيضا سفسطة والقوانين العقلية كافية في الفرق بين الصنفين
( 14 ) تنبيه
ثم إن الصارف عن هذا الانتقاش شاغلان حسي خارج يشغل لوح الحس المشترك بما يرسمه فيه عن غيره كأنه يبزه عن الخيال بزا ويغصبه منه غصبا وعقلي باطن أو وهمي باطن يضبط التخليل عن الاعتمال متصرفا فيه بما يعنيه فيشتغل بالإذعان له عن التسلط على الحس المشترك فلا يتمكن من النقش فيه لأن حركته ضعيفة لأنها تابعة لا متبوعة فإذا سكن أحد الشاغلين بقي شاغل واحد فربما عجز عن الضبط فيتسلط التخيل على الحس المشترك فلوح فيه الصور محسوسة مشاهدة
أقول ارتسام الصور في الحس المشترك عن السبب الباطني يجب أن يدوم ما دام الراسم والمرتسم موجودين لولا مانع يمنعهما عن ذلك ولما لم يكن ذلك دائما علم أن هناك مانعا فنبه الشيخ في هذا الفصل على المانع وذكر أنه ينقسم إلى ما يمنع القابل عن القبول وهو المانع الحسي فإنه يشغل الحس المشترك بما يورد عليه من الصور الخارجية عن قبول الصور من السبب الباطني فكأنه يبزه عن المتخيلة بزا أي يسلب عنه سلبا ويغصبه غصبا وإلى ما يمنع الفاعل عن الفعل وهو العقل في الإنسان والوهم في سائر الحيوانات فإنهما إذا أخذا في النظر في غير الصور المحسوسة أجبرا التفكر أو التخيل على الحركة فيما يطلبانه وشغلاه عن التصرف في الحس المشترك فهما يضبطان التخيل أو التفكر عن
الإشارات والتنبيهات — صفحة 404
مساهمون: أبو علي سينا
ص٤٠٤