قد جمع الشيخ جميع مقامات العارفين في هذا الفصل وأقول في تقريره أنه مشهور بين أهل الذوق أن تكميل الناقصين يكون بشيئين تخلية وتحلية كما أن مداواة المرضى يكون بشيئين تنقية وتقوية الأول سلبي والثاني إيجابي وربما يعبر عن التخلية بالتزكية ولكل واحد منهما درجات أما درجات التزكية فهي التي مر ذكرها وقد رتبها الشيخ في هذا الفصل في أربع مراتب تفريق ونقض وترك ورفض فالتفريق مبالغة الفرق وهو فصل بين شيئين لا ترجيح لأحدهما على الآخر ومنه فرق الشعر والنقض تحريك شيء لينفصل عنه أشياء مستحقرة بالقياس إليه كالغبار عن الثوب والترك تخلية وانقطاع عن شيء والرفض ترك مع إهمال وعدم مبالاة فالعرفان مبتدئ من تفريق بين ذات العارف وبين جميع ما يشغله عن الحق بأعيانها ثم نقض لآثار تلك الشواغل كالميل والالتفات إليها عن ذاته تكميلا لها بالتجرد عما سوى الحق والاتصال به ثم ترك لتوخي الكمال لأجل ذاته ثم رفض لذاته بالكلية فهذه درجات التزكية وأما التحلية وهي التي سيورد الشيخ ذكر درجاتها في الفصل الذي يتلو هذا الفصل فبيان درجاتها بالإجمال أن العارف إذا انقطع عن نفسه واتصل بالحق رأى كل قدرة مستغرقة في قدرته المتعلقة بجميع المقدورات وكل علم مستغرقا في علمه الذي لا يعزب عنه شيء من الموجودات وكل إرادة مستغرقة في إرادته التي يمتنع أن يتأبى عليها شيء من الممكنات بل كل وجود وكل كمال وجود فهو صادر عنه فائض من لدنه صار الحق حينئذ بصره الذي به يبصر وسمعه الذي به يسمع وقدرته التي بها يفعل وعلمه الذي به يعلم ووجوده الذي به يوجد فصار العارف حينئذ متخلقا بأخلاق الله تعالى بالحقيقة وهذا معنى قوله العرفان ممعن في جمع صفات هو جمع صفات الحق للذات المؤيدة بالصدق ثم إنه بعد ذلك يعاين كون هذه الصفات وما يجري مجراها متكثرة بالقياس إلى الكثرة متحدة
الإشارات والتنبيهات — صفحة 389
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٨٩