على ذلك وأخذ جيشا وحارب أمما وفتح البلاد لأخيه برا وبحرا شرقا وغربا من غير منة عليه وكان أول ذي قرنين استولى على وجه الأرض ولما رجع إلى وطنه وحسب أنها نسيته عاودت إلى المعاشقة وقصدت معانقته فأبى وأزعجها وظهر لهم عدو فوجه سلامان إبسالا إليه في جيوشه وفرقت المرأة في رؤساء الجيش أموالا ليرفضوه في المعركة ففعلوا وظفر به الأعداء وتركوه جريحا وبه دماء حسبوه ميتا فعطفت عليه مرضعة من حيوانات الوحش وألقمته حلمة ثديها واغتذى بذلك إلى أن انتعش وعوفي ورجع إلى سلامان وقد أحاط به الأعداء وأذلوه وهو حزين من فقد أخيه فأدركه إبسال وأخذ الجيش والعدة وكر على الأعداء وبددهم وأسر عظيمهم وسوى الملك لأخيه ثم واطأت المرأة طابخة وطاعمة وأعطتهما مالا فسقياه السم وكان صديقا كبيرا نسبا وعلما وعملا واغتم من موته أخوه واعتزل من ملكه وفوض إلى بعض معاهديه وناجى ربه فأوحى إليه جلية الحال فسقى المرأة والطابخ والطاعم ثلاثتهم ما سقوا أخاه ودرجوا فهذا ما اشتمل عليه القصة وتأويله أن سلامان مثل للنفس الناطقة وإبسالا للعقل النظري المترقي إلى أن حصل عقلا مستفادا وهو درجتها في العرفان إن كانت تترقى إلى الكمال وامرأة سلامان القوة البدنية الأمارة بالشهوة والغضب المتحدة بالنفس صائرة شخصا من الناس وعشقها الإبسال ميلها إلى تسخير العقل كما سخرت سائر القوى ليكون مؤتمرا لها في تحصيل مآربها الفانية وإباؤه انجذاب العقل إلى عالمه وأختها التي أملكتها القوة العملية المسماة بالعقل العملي المطيع للعقل النظري وهو النفس المطمئنة وتلبيسها نفسها بدل أختها تسويل النفس الأمارة مطالبها الخسيسة وترويجها على أنها مصالح حقيقية والبرق اللامع من الغيم المظلم هي الخطفة الإلهية التي تسنح في أثناء الاشتغال بالأمور الفانية وهي جذبة من جذبات الحق وإزعاجه للمرأة إعراض العقل عن الهوى وفتحه البلاد لأخيه اطلاع النفس بالقوة النظرية على الجبروت والملكوت وترقيها إلى العالم الإلهي وقدرتها بالقوة العملية على حسن تدبيرها في مصالح بدنها وفي نظم أمور المنازل والمدن ولذلك سماه بأول ذي قرنين فإنه لقب لمن كان يملك الخافقين ورفض الجيش
الإشارات والتنبيهات — صفحة 368
مساهمون: أبو علي سينا
ص٣٦٨