تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات والتنبيهات — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
له وسماه سلامان وأرضعته امرأة اسمها إبسال وربته وهو بعد بلوغه عشقها ولازمها وهي دعته إلى نفسها وإلى الالتذاذ بمعاشرتها ونهاه أبوه عنها وأمره بمفارقتها فلم يطعه وهربا معا إلى ما وراء بحر المغرب وكان للملك آلة يطلع بها على الأقاليم وما فيها ويتصرف في أهاليها فاطلع بها عليهما ورق لهما وأعطاهما ما عاشا به وأهملهما مدة ثم إنه غضب من تمادي سلامان في ملازمة المرأة فجعلهما بحيث يشتاق كل إلى صاحبه ولا يصل إليه مع أنه يراه فتعذبا بذلك وفطن سلامان به ورجع إلى أبيه معتذرا ونبهه أبوه على أنه لا يصل إلى الملك الذي رشح له مع غشوة إبسال الفاجرة وإلفه بها فأخذ سلامان وإبسال كل منهما يد صاحبه وألقيا نفسيهما في البحر فخلصه روحانية الماء بأمر الملك بعد أن أشرف على الهلاك وغرقت إبسال واغتم سلامان ففزع الملك إلى الحكيم في أمره فدعاه الحكيم وقال أطعني أوصل إبسالا إليك فأطاعه وكان يريه صورتها فيتسلى بذلك رجاء وصالها إلى أن صار مستعدا لمشاهدة صورة الزهرة فأراها الحكيم بدعوته لها فشغفها حبا وبقيت معه أبدا فتنفر عن خيال إبسال واستعد للملك بسبب مفارقتها فجلس على سرير الملك وبنى الحكيم الهرمين بإعانة الملك واحدا للملك وواحدا لنفسه ووضعت هذه القصة مع جثتهما فيهما ولم يتمكن أحد من إخراجها غير أرسطو فإنه أخرجها بتعليم أفلاطون وسد الباب وانتشرت القصة ونقلها حنين بن إسحاق من اليوناني إلى العربي وهذه قصة اخترعها أحد من عوام الحكماء لينسب كلام الشيخ إليه على وضع لا يعلق بالطبع وهي غير مطابقة لذلك لأنها تقتضي أن يكون الملك هو العقل الفعال والحكيم هو الفيض الذي يفيض عليه مما فوقه وسلامان هو النفس الناطقة فإنه أفاضها من غير تعلق بالجسمانيات وإبسال هو القوة البدنية الحيوانية التي بها تستكمل النفس وتألفها وعشق سلامان لإبسال ميلها إلى اللذات البدنية ونسبة إبسال إلى الفجور تعلق غير النفس المتعينة بمادتها بعد مفارقة النفس وهربهما إلى ما وراء بحر المغرب انغماسهما في الأمور الفانية البعيدة عن الحق وإهمالهما مدة مرور زمان عليهما لذلك وتعذيبهما بالشوق مع الحرمان وهما متلاقيان بقاء ميل النفس مع فتور القوى عن أفعالها