تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإشارات والتنبيهات — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
بل هي قوى متعاقبة بحسب الاستعدادات المختلفة لمادة الجنين وبالجملة فإن تلك المادة تبقى في تصرف المتصورة إلى أن يحصل تمام الاستعداد لقبول النفس الناطقة فحينئذ توجد النفس فهذا ما قال هذا الفاضل فيه أقول وقال الشيخ في الفصل الثالث من المقالة الأولى من علم النفس في الشفاء فالنفس التي لكل حيوان هي جامعة أسطقصات بدنه ومؤلفها ومركبها على نحو تصلح معه أن تكون بدنا لها وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي فقول الشيخ في الشفاء والإشارات يخالف ما ذهب إليه الفاضل الشارح هاهنا وما نقله عن الشيخ في رسالته وأيضا إن كانت نفس الأم مدبرة للمزاج فكيف فوضت التدبير بعد مدة إلى الناطقة وإنما يجري أمثال هذا بين فاعلين غير طبيعيين يفعلان بإرادات متجددة وإن كانت القوة المصورة مدبرة والمصورة من القوى الخادمة للنفس التي تكون بمنزلة آلات لها فكيف خدمت المصورة قبل حدوث النفس التي هي مخدومتها وكيف فعلت بذاتها فإن الآلة ليس من شأنها أن تفعل من غير مستعمل إياها وما تقتضيه القواعد الحكمية التي أفادها الشيخ وغيره هو أن نفس الأبوين يجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية ثم تجعلها أخلاطا وتفرز منها بالقوة المولدة مادة المني وتجعلها مستعدة لقبول قوة من شأنها إعداد المادة لصيرورتها إنسانا فتصير بتلك القوة منيا وتلك القوة تكون صورة حافظة لمزاج المني كالصورة المعدنية ثم إن المني يتزايد كمالا في الرحم بحسب استعدادات تكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع حفظ المادة الأفعال النباتية فتجذب الغذاء فتضيفها إلى تلك المادة فتنميها وتتكامل المادة بتربيتها إياها فتصير تلك المصورة مصدرا مع ما كان يصدر عنها لهذه الأفاعيل وهكذا إلى أن تصير مستعدة لقبول نفس أكمل
الإشارات والتنبيهات — صفحة 304 | أبو علي سينا / نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي / قطب الدين الرازي