ثقة في نفسه ، حجّةً ، رأساً في العلم والعمل ، عظيم القدر . وقد بدت منه هفوة في القدر لم يقصدها لذاتها ، فتكلّموا ، فما ألتفت إلى كلامهم ، لأنّه لمّا حوقق عليها تبرّأ منها » ( 1 ) .
لكنْ ما معنى « لم يقصدها لذاتها » ؟ ألم يكن كلامه ظاهراً في معناه الذي فهمه القوم منه فتكلّموا فيه ؟ إنّ ما يقوله الذهبي دعوى بلا دليل ، بل هو مجرّد تخرّص وتخمين ، بل هو أشبه بهذيان المجانين ، ويكذّبه كلامه هو حيث قال بعد العبارة السابقة :
« قال حمّاد بن زيد عن أيّوب قال : كذب على الحسن ضربان من الناس : قوم رأيهم القدر لينفقوه في الناس بالحسن ، وقوم في صدورهم بغض له ، وأنا نازلته في القدر غير مرّة حتّى خوّفته بالسلطان ، فقال : لا أعود فيه بعد اليوم . وقال أيّوب : ولا أعلم أحداً يستطيع أنْ يعيب الحسن إلاّ به ، وأدركت الحسن - والله - ما يقوله » ( 2 ) .
وإذا كان الحسن ينازل الرجال في القدر غير مرّة ، ولا يرجع عن القول به إلاّ بعد التخويف بالسلطان ، فما معنى أنّه لم يكن قاصداً لما تفوَّه ؟
وما ذكره الذهبي في الدفاع عنه من أنّه قد تاب عن المقالة المذكورة ورجع عنها ، لا يرفع الإشكال ، لأنّ الحسن من القائلين بالتقيّة إلى يوم القيامة ، كما رواه البخاري عنه في ( الصحيح ) ( 3 ) ، وأهل السنّة يقولون بعدم قبول التوبة ممّن يقول بالتقيّة .
هامش
( 1 ) ميزان الاعتدال 1 : 527 / 1968 .
( 2 ) تذهيب التهذيب - مخطوط .
( 3 ) صحيح البخاري 9 : 25 ( كتاب الإكراه ) .