عليه فيها ; ويجب عليه بالطبع أن يترسّم في هذه المنازل والمراحل خطى إنسان كامل وناضج ، بصير ومستوعب ، قد طوى هذه الطريق من قبل ، وبإشراقه ومراقبته ، وإذا لم يرعَ هذا الطموح وهذا الجهد إنسان كامل في هذه الطريق ففي ذلك خطر الضلال والانحراف . والعرفاء يدعون الإنسان الكامل الذي توجب الضرورة أن يرافق « المسافرين الجدد » ويرشدهم ، يدعونه حيناً ب « طائر القدس » وب « الخضر » أحياناً » ( 1 ) . وهذا الأمر لا يعني التداخل بين موضوعي العرفان وعلم الأخلاق ; لأنّ هناك جملة من الفوارق الموجودة بينهما :
الفارق الأوّل
إنّ الإنسان عندما لا يعرف طريق الوسط وفي أي اتّجاه يسير ، من هنا أو من هناك ، يأتي علم الأخلاق يبيّن له أنّ الطريق من أين ، فيوجد يمين ويسار ، ويوجد الطريق الوسط ، ويوجد الطريق المستقيم .
والنظرية الأخلاقيّة التي تحكمنا إلى يومنا هذا تقول بأنّ خير الأمور أوسطها ، وأنّ هذا الطرف الذي هو التفريط غير صحيح ، وهذا الطرف الذي هو الإفراط غير صحيح ، والصحيح هو الجادّة الوسط . إذن كلّ هدف علم الأخلاق أن يجعل الإنسان السالك إلى الله تعالى على الحدّ الوسط ، وإلى هنا تنتهي وظيفة علم الأخلاق .
ومن حيث تنتهي وظيفة الأخلاق يبدأ العرفان العملي ، فيشير إلى
هامش
( 1 ) الكلام والعرفان ، مصدر سابق : ص 67 .