وبهذا يتّضح ما ذكره الأنصاري حيث قال : « الورع توقٍّ مستقصى على حذر أو تحرّج على تعظيم ، وهو آخر مقام الزهد للعامّة ، وأوّل مقام الزهد للمُريد » يعني أنّ الورع هو أن يتوقّى الحرام والشبهة ; أي يخاف أن يقع فيها ، فيحذر من ذلك ويحترز منه . ووصف التوقّي بالاستقصاء للإشارة إلى أنّه لا بدّ أن يكون توقّ بالغ إلى الغاية القصوى ، كقولك : استقصيت في الحديث أي طلبت أقصاه يعني غايته . وهو احتراز بليغ عمّا يجب أن يحترز عنه كالحرام على حذر تامّ كامل كالحذر عن الشبهة حتّى لا يقع في الحرام ، كقوله تعالى : * ( تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا ) * ( 1 ) فإنّ القرب من الحدّ يؤدّي إلى اعتدائه . و « التحرّج » هو التضييق على النفس باجتناب الرُخص وترك التوسّع في المباح ، والأخذ بالعزيمة ، مخافة الوقوع في الحرام أو الشبهة . قوله « على تعظيم » أي : يفعل ذلك تعظيماً لأمر الله تعالى ، فإنّه هو الذي حرّم الحرام ، ومن جملة تعظيمه أن تجتنب محارمه . ثمّ أشار إلى أنّ ما ذُكر إنّما هو ورع العامّة على التمام ، وبداية ورع الخاصّة . قال عليّ بن الحسين عليهما السلام : « الزهد عشرة أجزاء : أعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرِّضا » ( 2 ) . ثمّ فصّل درجات ورع الخاصّة فقال : وهو على ثلاث درجات : الدرجة الأولى : « تجنّب القبائح لصون النفس ، وتوفير الحسنات ،
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 362
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٣٦٢
هامش
( 1 ) البقرة : 187 .
( 2 ) الأصول من الكافي ، مصدر سابق : ج 2 ص 62 ، ح 10 .