وعليه فإذا وجدنا عند سالك ظهور مثل تلك الشطحيات فهذا دليل على أنّه لم يُفْنَ فناءً كاملاً ، حيث بقي من إنّيته شيء نازعه فأظهر معنى الربوبية فيه ، وكلّ ذلك سببه الرئيسي هو بطلان جملة من رياضاته ، التي هي إمّا أن لا تكون شرعية ، أو أنّها شرعية ولكنّه أخذها من شخص غير عارف باستعداداته فأوجد في نفسه الخلل . وإلاّ فإنّ جميع الأنبياء عليهم السلام قد قطعوا هذه المراحل وعلى أكمل وجه ، ولم تصدر من أيّ واحد منهم مثل هذه الشطحات ، وكذا الحال بالنسبة للأوصياء عليهم السلام ، وكلّ من وصل إلى مرتبة الإنسان الكامل ، وذلك لأنّهم قد سلكوا سلوكاً صحيحاً وارتاضوا برياضات شرعية صحيحة . وينبغي ان يُعلم أنّ طرق السلوك الباطني وسُبُل الوصول إلى الله تعالى غير محصورة وإنّما هي بعدد أنفاس الخلائق ، ومن هنا تعرف أنّ السالك المنحرف عن مدرسة أهل البيت عليهم السلام قد يمضي في سلوكه ، ولكنّه سير غير مُستقيم ، فمثل هذا السالك لا ضمان واطمئنان بسيره ، لأنّه لا يدخل في حصن حصين ، لانّه لم يأت البيوت من أبوابها ( 1 ) ، فهو عرضة للسقوط * ( فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ ) * ( 2 ) . فالرياضات لا بدّ أن تكون شرعية وضمن الطريق المستقيم ، حيث التمسّك بالقرآن والسنّة الشريفة المتمثّلة بأقوال وأفعال وتقريرات النبي صلّى الله عليه وآله وأهل
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 270
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٢٧٠
هامش
( 1 ) إشارة إلى قول الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله : أنا مدينة العلم وعليّ بابها ، فمن أراد العلم فليأته من بابه ، المرويّ في كتب الفريقين ، انظر : كنز العمال ، مصدر سابق ، 32979 ، وانظر : ميزان الحكمة ، مصدر سابق : ج 1 ، ص 139 رقم 985 .
( 2 ) الحجّ : 31 .