بالصدق ، ويُعلّق على عدم الكذب ؟ لو تأمّلنا قليلاً سوف نجد أنّ الكذب ليس إلاّ علامة تحكي لنا بطانة الكاذب التي تتنافى تماماً مع الإيمان ، فإنّ الداعي للكذب والمنشأ له إنّما هو الشرك . فالكاذب إنّما يلجأ للكذب عمداً لأنّه يعتقد أنّ الكذب يجلب له المنافع ويدفع عنه الأضرار ، فهو النافع وعدمه ضارّ ، وهذا هو ضرب من الشرك الهادم للإيمان ، وعندئذ يمكنك أن تتصوّر حجم المنافاة بين الكذب والإيمان . على أيّ حال إذا كانت التقوى تعني التروك ومن جُملتها ترك كلّ ما يخالف الإيمان ومن أعظمها الكذب ، فإنّه لا بدّ أن تُروّض النفس على ذلك ; قال أمير المؤمنين عليه السلام : إنّما هي نفسي أروّضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ( 1 ) ، وقال عليه السلام : إنّ للعاقل في كلّ عمل ارتياض ( 2 ) . ولا ينبغي الإطالة أكثر والخروج عن موضوعنا الأوّل وهو وقوع بعض السُّلاّك في الشطح ، والسبب الكامن وراء ذلك ، حيث أرجع البعض ذلك إلى النقص في نفس السالك وسلوكه ، وسلوكه هو عين رياضته التهذيبية ، وقد عرفت أنّ مناشئ ذلك النقص في سيره وسلوكه هو ممارساته وقيامه بأعمال ورياضات غير شرعيّة ، وهذا خلاف ما ينبغي للسالك السير عليه والالتزام به ، فإنّ الشريعة رياضة النفس ( 3 ) .
العرفان الشيعي رؤى في مرتكزاته النظريّة ومسالكه العمليّة من أبحاث السيّد كمال الحيدري — صفحة 267
مساهمون: الشيخ خليل رزق
ص٢٦٧
هامش
( 1 ) الحويزي ، عبد علي بن جمعة العروسي ، تفسير نور الثقلين ، تحقيق : هاشم الرسولي المحلاّتي ، المطبعة العلمية ، قم : ج 4 ، ص 553 ، رقم 65 .
( 2 ) غرر الحكم ودرر الكلم ، مصدر سابق : 7339 .
( 3 ) المصدر نفسه : 543 .