إثباته المكافأة وأنت تعلم نفيها ، فإن انعكس الامر فقال لك : لا تكرمه فإنه لا يكافئك ، وكنت تعلم منه المكافأة
فأنكرت على المشير بحرمانه . قلت : وما يدريك أنه لا يكافئني ؟ تريد وأنا أعلم منه المكافأة ، فكان مقتضى الإنكار
على المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمعاندين فاعتقدوا أنهم يؤمنون عند نزول الآية المقترحة أن يقال : وما يدريكم
أنها إذا جاءت يؤمنون ، كما تقول في المثال منكرا على من أثبت المكافأة وأنت تعلم خلافها : وما يدريك أنه
يكافئني بإسقاط لا ، وإن أثبتها انعكس المعنى إلى أن المعلوم لك الثبوت وأنت تنكر على من نفى ، فلما جاءت
الآية تفهم ببادئ الرأي أن الله تعالى علم الإيمان منهم وأنكر على المؤمنين نفيهم له ، والواقع على خلاف ذلك .
اختلف العلماء فحمل بعضهم " لا " على الزيادة ، وبعضهم أول أن بلعل ، وبعضهم جعل الكلام جواب قسم محذوف ،
وقد تفتح أن بعد القسم فقال التقدير : والله إنها إذا جاءت لا يؤمنون . وأما الزمخشري فتفطن لبقاء الآية على
ظاهرها وقرارها في نصابها من غير حذف ولا تأويل فقالوا قوله السالف . ونحن نوضح اضطراده في المثال
المذكور ليتضح بوجهيه في الآية فنقول : إذا حرمت زيدا لعلمك بعدم مكافأته فأشير عليك بالإكرام بناء على
أن المشير يظن المكافأة فلك معه حالتان : حالة تنكر عليه ادعاء العلم بما يعلم خلافه ، وحالة تعذره في عدم العلم
بما أحطت به علما ، فإن أنكرت عليه قلت : وما يدريك أنه يكافئ ، وإن عذرته في عدم علمه بأنه لا يكافئ
قلت : وما يدريك أنه لا يكافئ ؟ يعني ومن أين تعلم أنت ما علمته أنا من عدم مكافأته وأنت لم تخبر أمره خبري ،
فكذلك الآية إنما ورد فيها الكلام إقامة عذر للمؤمنين في عدم علمهم بالمغيب في علم الله تعالى وهو عدم إيمان
الإنصاف فيما تضمنه الكشاف — صفحة 44
مساهمون: أحمد بن محمد الإسكندري المالكي
ص٤٤