وسأله يوما - وقدّامه تمر يأكل منه - : ما « التمركل » في كلام العرب ؟ فقال : يقال : « تمركل » الرجل ؛ إذا التف بكسائه ، فقال : إنما ركَّبت له اسما من التّمر والأكل ؛ فقال : قد وافق ذلك أمرا كان . وله من هذا كثير . ولولا مزحه وكثرة ما كان يأتي به في تصانيفه ما كان إلا عالما . وقد اختبرت الكتب المطولة في اللغة وغيرها ، فوجد فيها حقيقة ما اتهم فيه . وكان صاعد غير صاعد ؛ في النحو مقصرا ، وباللغة قيما . وله يد طولى في استنباط معاني الشعر . ومن عجيب سعادته أنه أهدى إلى المنصور بن أبي عامر أيّلا ، ( 1 ) وكتب معه :
يا حرز كلّ مخوّف وأمان ك * لّ مشرّد ومعزّ كلّ مذلَّل
جدواك إن تخصص به فلأهله * وتعمّ بالإحسان كلّ مؤمّل
كالغيث طبّق ( 2 ) فاستوى في وبله * شعث البلاد مع المراد ( 3 ) المبقِلِ
اللَّه عونك ما أبرّك للهدى * وأشدّ وقعك في الضّلال المشعل
ما إن رأت عيني - وعلمك شاهدي * شروى علائك في مُعِمّ مخول ( 4 ) أندى بمقربة كسرحان الغضا ( 5 ) ركضا وأوغل في مثار القسطل
مولاي مؤنس غربتي متخطَّفي
من ظفر أيامى ممنّع معقلي
عبد نشلت بضبعه ( 6 ) وغرسته
في نعمة أهدى إليك بأَيِّلِ ( 7 )
هامش
( 1 ) الأيل : ذكر الأوعال .
( 2 ) طبق : عم .
( 3 ) المراد : موضع الرعى .
( 4 ) الشروى : المثل . وفى نفخ الطيب « جدوى » . والمعم : الكريم العمومة ، والمخول : الكريم الخؤولة .
( 5 ) المقربة : الفرس التي تدنى وتقرب وتكرم . والسرحان : الذئب . والغضا : شجر ينسب إليه نوع من الذئاب الخبيثة .
( 6 ) الضبع : العضد .
( 7 ) رواية البيت في نفخ الطيب :
عبد جذبت بضبعه ورفعت من * مقداره أهدى إليك بأيِّل