ولما مات المنصور لم يحضر صاعد مجلس أنس بعده . وقد كان أولاده تولوا الأمر ، فاعتذر عن الحضور بألم ادّعاه في ساقه ، وكان يمشى على عصا ، والتزم ذلك . ومن شعره ( 1 ) في هذا المعنى :
إليك حدوت ناجية ( 2 ) الرّكاب * محمّلة أماني كالهضاب
وبعت ملوك أهل الشرق طرّا * بواحدها وسيّدها اللَّباب ( 3 )
ومنها :
إلى اللَّه الشّكيّة من شكاة * رمت ساقى ( 4 ) وجلّ بها مصابي
وأقصتني عن الملك المرجّى * وكنت أرمّ ( 5 ) حالي باقتراب
حسبت المنعمين على البرايا * فألفيت اسمه صدر الحساب
وما قدّمته إلا كأني * أقدّم تاليا أمّ الكتاب
ومما وجدته أن المنصور سأله يوما : هل رأيت فيما وقع لك من الكتب كتاب « القوالب والزوابل » لمبرمان بن يزيد ؟ فقال : نعم رأيته ببغداذ في نسخة لأبى بكر بن دريد ، بخط كأكرع النمل ، في جوانبها علامات للوضاع هكذا وهكذا .
فقال له : أما تستحي أبا العلاء من هذا الكذب ! هذا كتاب عاملنا ببلد كذا يذكر فيه أن الأرض قد قلبت وزبلت . فأخذت من قوله ما سألتك عنه . فأخذ يحلف أن القول صادق حقيقة .
هامش
( 1 ) قال ياقوت : « أنشد هذه القصيدة بين يدي المظفر في عيد الفطر سنة 396 » .
( 2 ) الناجية : الناقة السريعة .
( 3 ) اللباب : الخالص المتخير من الرجال وغيرهم .
( 4 ) قال ياقوت : « يشير إلى مرض لحق بساقه ، فمنعه من حضور مجالسه » .
( 5 ) رمّ الحال : أصلحه .