تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 74

مساهمون:

ص٧٤

وكان يتفقه على مذهب مالك بن أنس . وله مسائل وتعاليق في الفقه جميلة ، وله كلام في الرقائق . وقد كان - رحمه اللَّه - حسن العبارة مخلوقا من حذر ، لم يره أحد ضاحكا قط ولا هازلا ، وكان يسير في أفعاله على سنن السلف الصالح ، وكان ملوك البلاد يجلون قدره ، ويرفعون ذكره . وكان [ القاضي ] الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ ( 1 ) يعرف قدره ، ويعظم ذكره ، ويقبل إشارته في حق من يشفع فيه ، وله إليه مكاتبات ومخاطبات يشهد بها ترسّله ، وانتقل في آخر عمره إلى مدينة قريبة من مدينته اسمها إقنا ، وأقام بها لاشتهار كلمة السّنة بها ، إلى أن توفيّ - رحمه اللَّه - فيما بلغني قريبا من سنة ستمائة ( 2 ) ، بعد أن طعن في السن ، وكف بصره .

هامش
( 1 ) كان وزير السلطان صلاح الدين ، وتمكن منه غاية التمكن ، وكان يقول : لا تظنوا أنى ملكت البلاد بسيوفكم ؛ بل بقلم الفاضل ؛ وبرز في صناعة الانشاء . قال ابن خلكان : إن مسودات رسائله في المجلدات والأوراق إذا جمعت لا تقصر عن مائة مجلد ، وهو مجيد في أكثرها . توفى سنة 596 . النجوم الزاهرة ( 6 : 156 ) .
( 2 ) ذكر الأدفوي أنه توفى سنة 598 ، ونقل عن ابن سعيد : « سمعت البهاء زهيرا يقول : سمعت ابن الغمر الأديب يقول : رأيت في النوم الفقيه شيئا يقول شعرا ، وهو : أبثكم يأهل ودّي بأن لي * ثمانين عاما أردفت بثمان فلم يبق إلا عفوة أو صبابة * فجد يا إلهي منك لي بأمان قال : فأصبحت وجئت إلى الفقيه شيث ، وقصصت عليه الرؤيا ، فقال لي : لي اليوم ثمانية وثمانون سنة ، وقد نعيت لي نفسي » .
إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 74 | محمد أبو الفضل إبراهيم / علي بن يوسف القفطي