تخطي إلى المحتوى الرئيسي

إنباه الرواة على أنباه النحاة — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤

وكان لسعيد بالقيروان في أوّل دخول الشيعة مقامات محمودة ، ناضل فيها عن الدّين ، وذبّ عن السّنن ، حتى مثّله أهل القيروان في حاله تلك بأحمد بن حنبل ( 1 ) أيام المحنة ( 2 ) ، وكان يناظرهم ويقول : قد أوفيت على التسعين ، وما بي إلى العيش من حاجة ، ولا بدّ لي من المناضلة عن الدين ، وأن أبلغ في ذلك عذرا . ففعل . وكان المعتمد عليه فيها ؛ وذلك أنهم لما ملكوا البلد وأظهروا تبديل الشرائع ، وإحالة السّنن ، بدروا إلى رجلين كبيرين من أصحاب سحنون ( 3 ) فقتلوهما ، وعرّوا أجسادهما ، ثم نودي عليهما : هذا جزاء من ذهب مذهب مالك ( 4 ) .

هامش
( 1 ) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ؛ أحد الأئمة الأربعة . ولد في بغداد سنة 164 ، وكان أبوه والى سرخس ؛ وانكب على علم الحديث ، وسافر في سبيله إلى الكوفة والبصرة ومكة والمدينة واليمن والشام والثغور والمغرب والجزائر والعراقين وفارس وخراسان والجبال والأطراف . وصنف المسند في الحديث . وله كتب في التاريخ والناسخ والمنسوخ والردّ على من ادّعى التناقض في القرآن وغير ذلك . وفى أيامه دعا المأمون إلى القول بخلق القرآن ، ومات قبل أن يناظر ابن حنبل ، وتولى المعتصم فسجنه المعتصم 28 شهرا ، لامتناعه عن القول بخلق القرآن ، وأطلق سنة 220 ، ولم يصبه شر في زمن الواثق . توفى سنة 241 . النجوم الزاهرة ( 2 : 304 ) .
( 2 ) انظر تفصيل هذه المحنة في تاريخ الإسلام للذهبي ( وفيات سنة 241 ) .
( 3 ) هو عبد السلام بن سعيد سحنون ، وسحنون اسم طائر حديد ، لقب به لحدّته في المسائل . أصله شاميّ من حمص ، ورحل إلى المغرب ، وكان ثقة حافظا فقيها ، سلم له الإمامة أهل عصره ، وتولى القضاء في آخر عمره سنة 74 ، وله في علمه وحفظه وقضائه أخبار مشهورة . توفى سنة 240 . الديباج المذهب ص 160 .
( 4 ) تتمة الخبر كما في طبقات الزبيديّ : « فارتاع جماعة أهل السنة ، وتجمعوا إلى سعيد ، فسألوه التقية ، وكان أبو عبد اللَّه المعلم يبعث إليهم للمناظرة ، وكان سعيد المعتمد عليه فيها ، فأبى سعيد من التقية وقال : إني قد أربى على التسعين ، وما بي إلى العيش من حاجة ، وقتيل الخوارج خير القتلى ، ولا بدّ من المناضلة عن الدين ، وأن أبلغ في ذلك عذرا . ففعل ذلك وصدق ونصح - رحمه اللَّه » .