قصر عليه حفدة وخدّام وحوله أكثر متأدّبي بغداذ ، فسلَّمت وجلست حيث انتهى بي المجلس ، وأنا في هيئة السّفر ، فلما كاد المجلس ينقضي قال : من الرجل ؟ قلت : باغي أدب ، قال : أتروى من شعر أبى المخشي ( 1 ) الذي قاله عندكم ؟ قلت : نعم ، قال : أنشدني ، فأنشدته : « كنت الذرى إلى الذرى » ( 2 ) قال : هذا الذي طلبته الشعراء فأضلَّته . ثم قال : أنشدني لأبى الأجرب ، ( 3 ) فأنشدته ، ثم قال أنشدني لبكر الكنانيّ فأنشدته ، ثم قال : شاعر البلد اليوم عباس بن ناصح ؟ قلت : نعم ، قال : أنشدني له ، فأنشدته :
* فأدت القريض ومن ذا فأد *
فقال لي : عبّاس ! قلت : نعم ، فنهض إليّ فتلقيته ، فعانقني وضمّني إلى نفسه ، وانحرف لي عن مجلسه ، فقال له من حضر المجلس : من أين عرفته أصلحك اللَّه في قسم بيت ؟ قال : إني رأيته عند إنشاده لغيره ، فرأيته لا يبالي ما حدث من استحسان واستقباح ، فلما أنشدني لنفسه استبنت عليه وجمة ، فقلت إنه صاحب
هامش
( 1 ) ذكره الحميدي ، في جذوة المقتبس الورقة 173 ، وقال : إنه عربي الدار والنشأة ، وأنشد له :
وهم ضافني في جوف يم * كلا موجيهما عندي كبير
فبتنا والقلوب معلقات * وأجنحة الرياح بنا تطير
( 2 ) كذا في الأصل : وفى طبقات الزبيدي : « كنت أبا للدري إلا الدار » وهو غير واضح .
( 3 ) هو أبو الأجرب جعونة الكلابيّ . كان مدّاحا للصميل وزير يوسف بن عبد الرحمن الفهريّ ، ولم يلحق دولة بنى أمية ، وأنشد له الحميدي في الجذوة :
ولقد أراني من هواي بمنزل * عال ورأسي ذو غدائر أقرع
والعيش أعيد ساقط أفنانه * والماء أطيبه لنا والمرتع
جذوة المقتبس الورقة 81