برهة من عمره يتردّد إلى الزبداني للتعليم . ولما ملك العزيز مصر انتقل إليها ، ورتب له صلاح الدين على جامعها كل شهر جاريا لإقراء النحو . رأيته بمصر وهو يفيد الطلبة علمي النحو والعروض ؛ فإنه كان بهما قيّما ، ولم أسمع أحدا يذكر صيانته .
وكان متّهم الخلوة ؛ لا يردّه ملام عن رشف المدام ، ولا يسمع الكلام في ذمّ الغلام . ولم يزل عزبا قذر الهيئة ، خشن الملبوس ، مبدّد الأطراف ، في تصرفه ما يدل على نقص مروءته . وكان شريف النفس في أمر واحد ، وهو قلة الاكتراث بأهل المناصب ، وترك السعي إليهم . وبلغني أنه كان حلو المحاضرة مفيد المخاطبة والمناظرة . وله شعر مذكور مشهور ، منه قوله :
حكَّمته ظالما في مهجتي فسطا * وكان ذلك جهلا شبته بخطا
هلَّا تجنبته والظلم شيمته * ولا أسام به خسفا ولا شططا
ويلاه من تائه أفعاله صلف * ملوّن كلما أرضيته سخطا
أبثّه ولهى صدقا ويكذبني * وعدا وأقسط عدلا كلما قسطا
واختصر كتاب الأغاني اختصارا جميلا أحسن فيه . ( 1 ) ومات في حدود سنة ستمائة بالقاهرة المعزية ( 2 ) .
هامش
( 1 ) وذكر صاحب كشف الظنون ص 1337 أن له قصيدة تسمى : « القصيدة الجرباوية » يختلف حروف إعرابها من الرفع إلى النصب إلى الجر إلى السكون ؛ أولها :
إني امرؤ لا يطبي * ني الشادن الحسن القوام
وذكر له ياقوت وابن شاكر من المؤلفات أيضا : العروض الكبير ، والعروض الصغير والعظات الموقظات ، والمنير في العربية وأخبار المتنبي والمستزاد على المستجاد في فعلات الأجواد وعلم أشكال الخط والتصحيف والتحريف وتعليل القراءات . وله موشحة في القاضي الفاضل ذكرها ياقوت .
( 2 ) قال ياقوت وابن شاكر : إن وفاته كانت سنة 599 .