ابن جنّى » هو أبو الفتح عثمان ، ليس لأحد من أئمة الأدب في فتح المقفلات وشرح المشكلات ما له ؛ ولا سيّما في علم الإعراب ، فقد وقع منها على ثمرة الغراب ( 1 ) . ومن وقف ( 2 ) على مصنّفاته وقف ( 3 ) على بعض صفاته . فوربّي إنه كشف الغطاء عن شعر المتنبي . وما كنت أعلم أنه ينظم القريض ، أو يسيغ ذلك الجريض ( 4 ) ؛ حتى قرأت له مرثية في المتنبي ، أوّلها :
غاض القريض وأودت نضرة الأدب * وصوّحت ( 5 ) بعد ريّ دوحة الكتب
منها :
سلبت ثوب بهاء كنت تلبسه * لما تخطَّفت بالخطَّية السلب ( 6 ) ما زلت تصحب في الجلَّي إذا نزلت * قلبا جميعا وعزما غير منشعب
وقد حلبت لعمري الدهر أشطره ( 7 ) * تمطو بهمّة لا وان ولا نصب
من للهواجل تحيى ميت أرسمها * بكل جائلة التصدير والحقب ( 8 ) قبّاء خوصاء محمود علالتها * تنبو عريكتها بالحلس والقتب ( 9 )
هامش
( 1 ) هو مثل ؛ يقال إذا أصاب الرجل عند صاحبه أفضل ما يريد من الخير والخصب : « وجد ثمرة الغراب » ؛ وذلك أن الغراب إنما يبتغى من الثمر أجوده وأنضجه لقرب تناوله له . وانظر المضاف والمنسوب ص 366 .
( 2 ) في الدمية : « تأمل » .
( 3 ) في الأصل : « ووقف » وصوابه عن دمية القصر .
( 4 ) الجريض : الغصص .
( 5 ) أصله في النبات ؛ يقال : صوّح النبت إذا ذبل وذوي .
( 6 ) الخطية : الرماح ؛ منسوبة إلى الخط ؛ وهى بلدة قرب البحرين ، والسلب بضمتين : جمع سلب ، بفتحتين ، وهى الرماح الطويلة .
( 7 ) يقال : حلب فلان الدهر أشطره ؛ أي خبر ضروبه ؛ يعنى أنه مر به خيره وشره وشدته ورخاؤه تشبيها بحلب جميع أخلاف الناقة ، ما كان منها حفلا وغير حفل ، وأصله من أشطر الناقة ، ولها خلفان : قادمان وآخران .
( 8 ) الهواجل : جمع هوجل ؛ وهى المفازة البعيدة التي ليست بها أعلام . والتصدير : الحزام في صدر البعير ، والحقب : الحزام الذي يلي حقو البعير ؛ ويقال حزام جائل ؛ أي سلس ؛ يريد ناقة هذه صفتها .
( 9 ) قباء ، من القبب وهو دقة الخصر وضمور البطن ، الخوصاء : الغائرة العينين . والعلالة : الجرية الثانية . وعريكة الناقة : سنامها . والحلس : كساء تجلل به الدابة .