فإن لم يدنوا حتّى * ترى بشريهما بشرا
فكذبها بما ذكرت * وكذّبه بما ذكرا
قال : فما كان من العجم ؟ قلت : رجل يقال له « فلقاء » هوى جارية يقال لها « زورق » ، فقال :
إذا ما شئت أن تصن * ع شيئا يعجب الخلقا
فصوّر هاهنا زورق * وصوّر هاهنا فلقا
فإن لم يدنوا حتى * ترى خلقيهما خلقا
فكذبها بما لاقت * وكذّبه بما يلقى
قال الأصمعيّ : فبينا نحن كذلك إذ جاء الحاجب ، فقال : عباس بالباب ، فدخل فقال : يا عباس ، تسرق معاني الشعر وتدّعيه ، فقال : ما سبقني إليه أحد . فقال محمد : هذا الأصمعيّ يحكيه عن العرب والعجم ، ثم قال : يا غلام ، ادفع الجائزة إلى الأصمعيّ ( 1 ) . فلما خرجا قال العباس : كذبتني وأبطلت جائزتي ! فقلت له : أتذكر يوم كذا ! وأنشأت أقول :
إذا وترت امرأ فاحذر عداوته * من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا ( 2 )
هامش
( 1 ) الذي ذكره أبو الطيب في مراتب النحويين بعد الأبيات السابقة : « قال : فنظر إليّ الرشيد فقلت : يا أمير المؤمنين قد سبق إليه فقال : هات ، فأنشدته :
لو أن صورة من أهوى ممثلة * وصورتي لاجتمعنا في الجوار معا
إذا تأملتنا ألفيتنا عجبا * إلفان ما افترقا يوما ولا اجتمعا
قال : فأعرض عنه الرشيد فقال : واللَّه يا أمير المؤمنين وحق رأسك ما سمعت بهذين البيتين . وجعل يتنصل والرشيد ساكت ، فلما خشيت أن يحرمه قلت : صدق اللَّه يا أمير المؤمنين ، أنا عملت البيتين الساعة . فأمر له بجائزة ولى بضعفها » .
( 2 ) قال ابن مكتوم : « وللأصمعي مصنفات كثيرة وأخبار طريفة ، وقد جمعها القاضي أبو محمد عبد اللَّه بن أحمد الربعيّ - رحمه اللَّه - في كتاب سماه « المرويّ الصحيح » روى فيه عن بضعة عن ابن أخي الأصمعي عنه ، وهذا كتاب غريب ، وهو عندي الآن ، وسأنقل منه شيئا في كتابي الجمع المتناه في أخبار النحاه . إن شاء اللَّه » .