السماوية إلى يوم الدين . فضرورة الحاكمية في المجتمع أمر فطري يقتضيه
طبيعة المجتمعية البشرية ، فترى المجتمعات البدائية بحكم هذه الضرورة
تخضع لفرد يفرض سلطانه عليها ، ومع تقدم الإنسان في المدنية صار
للمجتمع شريعة تنظم شأن الحاكمية على نحو أو آخر ، ولم يعلم منذ أن
سجل التاريخ أن جماعة ذات شريعة قد اقتصرت شريعتها على تقرير
ضرورة الحاكمية ، إذ ذلك تقرير لأمر كائن واقعيا لا حاجة إلى تقريره ،
بل الشرائع إنما تشرع في تنظيم شأن الحاكمية ، وإن حيازة المجتمع على
مثل هذا التشريع هو من دلائل ارتقائه ومزيد تطوره ، واتهام النص على
أنه يعني مجرد إقرار بضرورة الحاكمية وإن كان ادعاء ظاهر التكلف
لإزاحة النص عن مجراه ، ولكنه مع ذلك هو بمثابة عدم التشريع المنظم لهذا
الأمر الخطير ، وهو بهذا المعنى حالة بدائية تتخلف فيها الشريعة الإلهية عن
غيرها من الشرائع البشرية ، وتقصر عن حاجة الأمة ، وحاشا للشارع
الأقدس عن ذلك .
على أن النص واضح الدلالة لهذه الجهة لمن يفهم أساليب البيان
العربي على النحو الذي فصلناه من أنه يتحدث عن أولي أمر صادرين عن
الله ذووي ولاية ربانية .
وإذ لم يجعل الله تعالى الإمامة شأنا ربانيا إلا للغايات العظيمة التي
لهذه الوظيفة ، والآثار الخطيرة التي لموقعيتها على الرسالة والأمة ، فنجد
أنه بعد تنكر الناس للأولياء الحقيقيين المعنيين بهذا النص ، وفي زمن قصير
بعد وفاة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وقع الخلل الخطير في مسيرة الرسالة
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 97
مساهمون: زهير بيطار
ص٩٧