بالبيعة لمن تولى عليهم ، أعن اختيار أم عن قهر واقتناص ، وهذا بالضرورة
يجعل الولاية بشرية المصدر وربانية بالادعاء ، حيث أصبحت الشرعية تابعة
للولي ، تالية له ، ومحكومة للبشر ، وهي بيدهم يمنحونها لمن يختارون أو
يتنازلون عنها لمن قهرهم عليها واقتنصها ، أو يمنحها السابق إلى اللاحق
وهو إبطال في الواقع لفريضة النص ، إذ في عرف الشرائع أن الجهة التي
تنصب الولي هي واقعيا الجهة التي تمنحه الولاية وتكون مصدر شرعية
ولايته ، ولا يمكن عمليا الفصل بين الأمرين ، فلو استولى واحد على
الولاية بالقهر أو استخلفه الذي قبله ، أو اختاره بعض الناس أو كلهم ،
كانت شرعيته صادرة عن ذاته أو الذي استخلفه أو الذي اختاره ، ولو
قررت الشريعة أن القائد ينتخب من الأمة فجاءت جماعة ، فرضت عليهم
قائدا ، كانوا هم مصدر ولايته وشرعيته لا الأمة التي خضعت لحكم الأمر
الواقع لا عن اختيار حر ، ولا يتبدل الواقع مهما موهته الجهة المسيطرة
بشرعية وهمية تدعيها باسم الله والدين أو باسم الشعب والأمة وسوى
ذلك ، فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن شرعية سلطة الولي مصدرهما
الذي ولاه ، إما ذاته أو فرد آخر استخلفه أو فرضه بوسيلة ما ، أو جماعة
من الأمة أو الأمة التي انتدبته بحرية الاختيار ، أو الله تعالى ، والحقيقة الثانية
التي ترتبط بالأولى هي أن الجهة التي تمنحه شرعية الولاية هي ذاتها التي
تنصبه واقعيا في موقع الولي ، ولا يمكن الازدواجية في هذا الأمر بأن تكون
جهة أولى تمنح الشرعية للولي ، بينما الذي ينيبه في الولاية جهة أخرى ، إلا
أن تكون هذه الإنابة عن توكيل من الجهة المانحة ، مثلا لا يمكن أن تكون
الأمة مصدر السلطة بينما الذي ينتدب إليها أحدها أو بعضها ، إلا أن
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 95
مساهمون: زهير بيطار
ص٩٥