وأقسى أشكال الاضطهاد ، وكانت حركات المعارضة الطالبية التي تقوم
تهدف إلى إسقاط الحكم الجائر لا إلى الانفصال ببعض الأمة جغرافيا ، مع
بقائه متاحا لو أرادوه ، بل في الحالات النادرة التي استطاع من يدعي
ولا يتهم أن يؤسس حكومة مستقلة في جانب من أرض الإسلام ، ثابروا
( عليهم السلام ) على تمركزهم في الحجاز أو العراق بما يمثلانه من مركزية
للأمة رغم التنكيل المستمر بهم ، لأن وظيفتهم هي اتجاه كل المسلمين ، بل
كل الناس ، وهذا كله من دلائل صدقهم وتوجهاتهم الربانية ، التي تتجاوز
آفاق الطموحات الدنيوية في السلطة والنفوذ ، وثابروا مع ذلك على بث
ما استحفظوا عليه من العلوم في الأمة بمجموعها ، وبمقدار ما يتيحه العصر
والظرف وقابلية الأمة ، وثابروا على درء التحريف الريب ضمن الثقافة
الإسلامية عامة ، بإظهار الصواب في مقابل كل خطأ ، ولولاهم ( عليهم
السلام ) لو جدنا مزيدا من الانحراف عن الرسالة ، ربما بلغ تمام الانحراف
نتيجة خضوع العامة المطلق لحكام الجور ، ومن الواضح أن درء التحريف
لا يحتاج من الإمام إلى سلاح ولا سلطان ولا حتى إلى علنية وظهور ، ما
دام أن الإمام قائم يعاين ما يجري .
وتطورت الظروف إلى أن قضت حكمة الله تعالى في تغييب الإمام
( عليه السلام ) الذي وإن كان محتجبا عن أنظار الناس ، لكنهم ليسوا
بمحتجبين عنه ، فهو موجود بينهم يعايشهم وله أعوانه الذين لا يعلمهم
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 36
مساهمون: زهير بيطار
ص٣٦