مضمونه مطابق لأصل الحقيقة التي عند الله ، بينما أخبرنا النص أن هذا
العلم رباني ، فاقتضى أن يكون علمهم المذكور جعلا إلهيا ، وحتى نرفع أي
التباس يمكن أن يحصل للقارئ ، فإن هذا الأمر يختلف عن وصفنا لأي
جهة أخرى بالرسوخ في العلم بأي موضوع آخر ، كالعلم بالتوراة مثلا
التي خضعت للتحريف ، فالراسخ في علمها يعني بالمثل أن علمه مطابق
لحقيقة موضوعها الذي بين يديه في حالته المحرفة بما فيه من أصل الحقيقة
في بعضه كالبشارة بمحمد ( ص ) ومما فيه من محرف في بعضه الآخر ، فهذا
يختلف عن الرسوخ في علم القرآن ، فلئن كان علمه يطابق الكتاب الذي
بين يديه لكنه لا يطابق على سبيل الإحاطة أصل الكتاب عند الله ، وذلك
لأن الوصف هو للعالم وليس للعلم ، فتختلف النتيجة باختلاف مضمون
العلم .
وهكذا فإن هذا النص يخبرنا عن جهة راسخة في علم القرآن ، ينتج
علمها يقين الإيمان في مقابل النهي عن اتباع الرأي فيه ، لكي لا يقع الناس
في الضلال ، فلا يبقى معه من فارق بين أن تكون الواو استئنافية أم
عاطفة ، فالنتيجة الظاهرة من النص تفرض نفسها ، بأن هناك جهة لديها
هذا العلم الرباني الذي لا يحصل كسبيا بل بالجعل الإلهي ، ويفرض
مرجعية هذه الجهة حتى لا نحتاج إلى الرأي المؤدي إلى الضلال عن حق ،
على أن القول بأن الواو للاستئناف بهدف القول بأن علمه محجوب عن
الخلق طرا ، هو بهذا المعنى يعارض في المبدأ غايات الوحي ، ويخالف المنطق
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 357
مساهمون: زهير بيطار
ص٣٥٧