المتشابه ابتغاء تأويله ، فلو أن الله تعالى حجب تأويله مطلقا ، فكيف يذم
من يتبعه حسب فهمه الذاتي له ، وهل يكون عندئذ من سبيل إليه إلا
هكذا ؟ ، ولكي يخرج البعض من هذا المأزق ادعوا أن التكليف هو
بالتصديق بها لا العمل ، ولا ضرورة عندئذ للفهم ، واعتبروا أن التأويل
" يرجع إلى العلم بمدة أكل هذه الأمة ووقت قيام الساعة وفناء الدنيا
ووقت طلوع الشمس من مغربها ونزول عيسى وخروج الدجال ونحو
ذلك مما استأثر الله بعلمه " " نقلناه عن تفسير البيان ، ومن الواضح أن في
هذا الاعتبار إسقاط على النص ليس فيه ما يوحي به ، على أن المتشابه لا
يقتصر على ما ذكروه ، بل يشمل الكثير من الآيات التي تتكلم عن الخلق
والبعث وأسرار الكون والطبيعة والحياة . والقول بأن الله تعالى لا يريد لنا
أن نعلم شيئا من أسرارها يخالف المنهج القرآني ، فها هو القرآن الكريم
حين يتحدث عن أسرار خاصة بالخالق كالخلق يدعونا إلى النظر فيها * ( قل
سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ) * ، وتراه كلما حدثنا بأسرار
الحياة والطبيعة دعانا إلى أن نتفكر فيها ، أو أن نعقلها ، أو أن نتبصر بها ،
فيكون هذا مدخلا إلى الفهم وسببا إلى الإيمان . ولولا أن الله تعالى يريد
للإنسان أن يعلم حقائق الوجود لما طلب إليه النظر فيها ، ولولا أن هذه
الآيات تختزن للإنسان فائدة لما أنزلها على رسوله ليبلغها ويبينها ، ولقد
ذكرنا بعض أوجه هذا الموضوع في بحث آية " لا يمسه إلا المطهرون " ،
فالاعتبار السابق بعيد عن حقيقة القرآن ، والله تعالى أنزل آياتها ليعمل بها
ويستفاد بها ، ولم يخبرنا في الكتاب عن أمر عبثا ولا ترفا ، فما كان متصلا
بالتكليف لم يستقم العمل به إلا مع فهم مضمونه ، وما كان غير ذلك
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 354
مساهمون: زهير بيطار
ص٣٥٤