السديد ، ولا يعين القائلين به على دعواهم تلك ، لما سبقت الإشارة إليه
من ذكر الراسخين في العلم على النحو الذي قدمناه .
على أن القول بأن الله تعالى لم يجعل هذا العلم عند أحد من عباده ،
فضلا عن ما قد بيناه أعلاه من معارضته للمنطق الديني ، فإنه يتعارض مع
نصوص أخرى تثبت هذا العلم لبعض العباد ، مما يجعلها تؤيد أن تكون
الواو عاطفة . ومن هذه النصوص ما ذكرنا قبل قليل * ( وأنزلنا إليك
الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) * فلو لم يكن النبي ( ص ) عالما بمضمون
الكتاب لم يكن ليبين . ومنها * ( قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن
عنده علم الكتاب ) * فهذا العلم حقيقة قد جعله تعالى عند من وصفهم
* ( من عنده علم الكتاب ) * ولقد فصلنا في معنى الكتاب خلال شرح هذا
النص بالذات . ومنها * ( فلا أقسم بمواقع النجوم ، وإنه لقسم لو تعلمون
عظيم ، إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون ، تنزيل
من رب العالمين ) * فلقد أقسم تعالى قسما عظيما بأن إدراك مضمون كتابه
العظيم لا يقدر عليه إلا المطهرون ، وهنا نتذكر أننا لا يجوز أن نحتمل في
حق الكلام الإلهي إلا الدقة الكاملة وعدم التجاوز ، فالمطهرون بدقيق
العبارة هم الذين قد طهروا من كل دنس ، ومنها ، * ( ثم أورثنا الكتاب
الذين اصطفينا من عبادنا ) * ، فالكتاب هنا ليس المصحف بمفهومه
المتداول ، بل هو الكتاب بنصه ومضمونه ، فليراجع القارئ تفصيله في
مكانه من شرح هذا النص .
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 358
مساهمون: زهير بيطار
ص٣٥٨