لذلك أصبحت الأولوية في وظيفة إمام الحق العمل على تأصيل
الرسالة في مجتمعها ، ودفع الريب والتحريف عنها ، وترسيخ الذين استناروا
بنورهم ، للمحافظة على الوجه الصحيح للإسلام عبر القرون ، إلى أن يأذن
الله لإمام الحق ليعيد الأمور إلى نصابها ، فيعود أهل الإسلام إلى رشدهم
والطريق الذي أراده لهم تعالى فحينئذ يظهر إمام الحق المنتظر هذه العلوم
للناس ، لأنهم يكونون عندها مستحقين لها ، ومؤهلين لحملها والعمل لها ،
فلا تكون بيدهم وسيلة طغيان واستكبار وضلال .
وهكذا يصبح لتلك النصوص المقررة لحفظ القرآن الكريم مدلولا
معقولا ، ينسجم مع المنطق الديني في مبررات الوحي وبعث الرسل ، إذ قد
نزل الوحي لهداية الإنسان وتحقيق مصلحته ، فلو أن علمه الحقيقي يبقى لله
وحده ، فما الفائدة من تنزيله ؟ تنزه الله تعالى عن العبث وعن أن ينزل
للناس سبيل هداية يكون سببا للحيرة والخلاف ، مما يناقض مبررات
التنزيل ، ومن هذا يفهم حقيقة قوله تعالى * ( في كتاب مكنون لا يمسه إلا
المطهرون ) * . بمعنى لا يدركه إلا المطهرون على النحو الذي شرحناه في
بداية البحث ، ويفهم معنى قوله * ( ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في
العلم . . ) * بأن * ( الراسخون في العلم . . ) * معطوفة على لفظ الجلالة ،
ليكون علم تأويله الذي لا يعلمه إلا الله ولذلك لا يعلم إلا بجعل منه ، قد
جعله عند هؤلاء الراسخين في العلم الذين هم المطهرون ، الذين طهرهم
الله وأذهب عنهم الرجس بما حققوا من مقدمات التطهير الإلهي في علم
الله ، فاصطفاهم الله تعالى من عباده * ( إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل
الإمامة تلك الحقيقة القرآنية — صفحة 290
مساهمون: زهير بيطار
ص٢٩٠