على أن مخالفة الأمر الإلهي المباشر جماعيا ، تجلى بأخطر صورة
وأفظعها حين حصل الفرار من الزحف ، رغم علمهم بأنه يوجب غضب
الله والنار * ( يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم
الأدبار ، ومن يولهم دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء
بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ) * ( 1 ) . وذلك مرات عديدة كان
أخطرها يوم أحد مما عرض النبي ( صلى الله عليه وآله ) للإصابة وكاد أن
يقتل ، ولم يبق مع النبي سوى علي ( ع ) إلى أن عاد بعد الفرار نفر قليل
اختلفت الأخبار حوله ، وفي أحسنها يقل عن العشرة ، ولئن كانت هذه
الكارثة في بداية العهد ، فإن يوم حنين كان في أواخره ، وفي كلا
الفرارين يناديهم الرسول بأخراهم ولا يلوون على شئ ، كما عبر عنه
القرآن الكريم .
فأي خطر يمكن أن يتعرض له الإسلام أشد من الفرار وترك
الرسول ( صلى الله عليه وآله ) وحده بين جحافل الأعداء . وكلتا
الحادثتين ذكرهما القرآن الكريم ، ومراجعة بعض التفاصيل في كتب
السيرة مدعاة إلى الخزي ( 2 ) على أن هناك فرارا في مناسبات أخرى
هامش
( 1 ) سورة الأنفال / الآية 15 .
( 2 ) قال ابن جرير وابن الأثير في تاريخهما : وانتهت الهزيمة بجماعة من المسلمين وفيهم عثمان
بن عفان وغيره إلى الأعوص فقاموا ثلاثا ثم أتوا النبي ( ص ) فقال لهم حين رآهم لقد
ذهبتم فيها عريضة . ابن الأثير ج 2 / 110 . الطبري ج 2 / 203 وذكر ابن جرير
الطبري وابن الأثير : أن أنس بن النصر إنتهى إلى عمر وطلحة في رجال من المهاجرين قد
ألقوا بأيديهم فقال ما يحبسكم فقالوا قتل النبي ( ص ) . قال فما تصنعون بالحياة بعده ؟
موتوا على ما مات عليه النبي ، فاستقبل القوم فقاتل حتى قتل فوجد به سبعون ضربة
وطعنة وما عرفته ، إلا أخته ، عرفته بحسن بنانه ( شرح النهج ج 14 / 276 ، تفسير
الرازي ج 9 / 67 الدر المنور ج 2 / 80 و 88 كنز العمال ج 2 / 242 .
ونقل البخاري عن أبي قتادة الأنصاري : وانهزم المسلمون يوم حنين - وانهزمت
معهم فإذا عمر بن الخطاب في الناس فقلت : ما شأن الناس ، قال : أمر الله . . وذلك في
صحيح البخاري ج 3 / ص 46 في باب قوله تعالى * ( يوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم . . ) *