أولئك خيار الحي فهر بن مالك * وأنصار هذا الدين من كل معتدى
ولما انتهت إلى همدان وفاة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم تكلمت سفاؤهم بما كرهت ظماؤهم ، فقال عبد الله بن مالك الأرض ، وكان من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم له هجرة وفضل في دينه ، فاجتمعت إليه همدان ، فقال :
يا معشر همدان ، إنكم لم تعبدوا محمدا ، إنما عبدتم رب محمد ، وهو الحي الذي لا يموت ، غير أنكم أطعتم رسولكم بطاعة الله فدعاكم فأجبتموه ، وهداكم فاتبعتموه ، واعلموا أنه ولى نعمتكم في دينكم ودنياكم ، فأما دينكم فاستنقذكم الله به من النار ، وأما دنياكم فاستنقذكم الله به من الرق ، ولم يكن الله ليجمع صحابة رسوله على ضلال ، وقد وعدهم أن يهديهم عندما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ، فأطيعوا من اختاروا ، وقدموا من قدموا ، في كلام غير هذا تكلم به على هذا المثال ، ونسجه على هذا المنوال .
وقال في ذلك :
لعمري لئن مات النبي محمد * لما مات يا ابن القيل رب محمد
وما كان إلا مرسلا برسالة * ليبلغها والحادثات بمرصد
ولما قضى من ذاك ما كان قاضيا * ولم يبق شئ فيه إلحاد ملحد
دعاه إليه ربه فأجابه * فيا خير غورى ويا خير منجد
وما نحن إلا مثل من كان قبلنا * فريقين شتى كافر وموحد
ونحن على ما كان بالأمس بيننا * من الدين نهدى من أراد فيهتدى
ثم قام ابن ذي مران ، وكان من سادات همدان وملوكهم ، فتكلم فيهم ، فأطال نفس الكلام ، وحرض على التمسك بالدين ، وحمل على الطاعة للقائم بالأمر بعد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ثم قال يرثيه ويتفجع للمصيبة فيه :
إن حزنى على الرسول طويل * ذاك منى على الرسول قليل
قلت والموت يا إمام كريه * ليتني مت يوم مات الرسول
ليتني لم أكن بقيت فواقا * بعده والفواق منى طويل
بكت الأرض والسماء عليه * وبكاه خليله جبريل
يا لها رحمة أصيب بها النا * س تولت وحان منها الرحيل
جدعت منهم الأنوف فللقل * ب خفوق وللجفون همول
ليس للناس إمام من الأم * ر فتيل وأين منك الفتيل