مرضاة الرّحمن ، ومدحرة الشّيطان . وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله ، أرسله بالدّين المشهور ، والعلم المأثور والكتاب المسطور ، والنّور السّاطع ، والضّياء اللَّامع ، والأمر الصّادع ، إزاحة للشّبهات ، واحتجاجا بالبيّنات ، وتحذيرا بالآيات ، وتخويفا بالمثلات والنّاس في فتن انجذم فيها حبل الدّين ، وتزعزعت سواري اليقين ، واختلف النّجر ، وتشتّت الأمر ، وضاق المخرج وعمى المصدر ، فالهدى خامل ، والعمى شامل : عصى الرّحمن ، ونصر الشّيطان ، وخذل الايمان ، فانهارت دعائمه ، وتنكَّرت معالمه ، ودرست سبله ، وعفت شركه : أطاعوا الشّيطان فسلكوا مسالكه ، ووردوا مناهله ، بهم سارت أعلامه وقام لواؤه ، في فتن داستهم بأخفافها ، ووطئتهم بأظلافها ، وقامت على سنابكها ، فهم فيها تائهون حائرون جاهلون مفتونون ، في خير دار ، وشرّ جيران نومهم سهاد ، وكحلهم دموع ، بأرض عالمها ملجم ، وجاهلها مكرّم . أقول : جعل عليه السلام لحمده تعالى غايتين : إحداهما ، الاستتمام لنعمته لاستعداد العبد بشكرها للمزيد منها . الثانية ، الاستسلام لعزّته وهو : الانقياد لها بكمال الحمد على النعمة وقوله تعالى : * ( ( لَئِنْ شَكَرْتُمْ ) ) * الآية ، برهان الأولى وفيه تنبيه على الثانية ، ولما كانت هاتان الغايتان لا تمام لهما بدون عصمته عن ورطات المعاصي والمعونة بكفايته على الدواعي المهلكة ، جعل طلب العصمة غاية أخرى هي الوسيلة إلى الاوّلتين ، وعقب ذلك الحمد بطلب المعونة منه على تمام الاستعداد لما طلب ( 1 ) ، وأشار إلى علَّة تلك الاستعانة وهى الفاقة إلى كفاية دواعي التفريط والافراط بالجذبات الإلهية . وقوله : انّه لا يضلّ ، إلى قوله : كفاه ، تعليل لاستعانته على تحصيل الكفاية بكونها مانعة من دواعي طرفي التفريط والافراط ، فيستقيم العبد بها على سواء الصراط ، وذلك هدى اللَّه الذي لا ضلال معه ، وبكونها مانعة من الفقر إلى غيره تعالى ، ومن معاداته
اختيار مصباح السالكين — صفحة 85
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٨٥
هامش
( 1 ) هذه الجملة : وعقد ذلك الحمد - لما طلب . غير موجودة في ش .