ميلاده طهارة أصله عن الفساد ، ونبّه على فضل بعثته بذكر أحوال الناس حين البعثة من اختلاف الآراء ، وتشتّت الأهواء ، وتفرّق الأديان والمذاهب بين من عليه اسم الملَّة ، وهم المذاهب الثلاثة وبين غيرهم من عبدة الأصنام والمعطَّلة وقد نبّهنا على أصناف منهم في الأصل ، والمشبّهة : بقية أصحاب الملل .
فانّ الغالب عليهم التجسيم ، وتشبيه الصانع ببعض مصنوعاته ، والملحد في اسمه من عدل بأسمائه عن الحقّ بتحريفها عمّا هو عليه إلى أسماء اشتقّوها لأوثانهم منها : كاللات من اللَّه ، والعزّى من العزيز ، ومناة من المنّان ، والمشير إلى غيره كالدهريّة وغيرهم من عبدة الأوثان والكواكب .
وقوله : وخلَّف فيكم ، إلى قوله : قائم ، وذلك انّه لما كان النّبى ليس مما يتكوّن وجوده مثله في كل وقت وجب ان يشرّع للناس بعده من أمورهم سنّة باقية باذن اللَّه ، وأمره ووحيه ، والغاية من ذلك هو استمرار الخلق على معرفة الصانع ودوام ذكره ، وذكر المعاد مع انقراض القرن الذي يلي النّبى ومن بعده مع ما وجب ان يأتيهم به من الكتاب من عند اللَّه الوافي لجميع المطالب الإلهية ولا بدّ ان يعظَّم أمره ، ويسنّ على الخلق دراسته وتعليمه ليدوم به التذكَّر للَّه سبحانه ، والملأ الأعلى من ملائكته ، وأشرف الكتب المنزلة ، والسّنن ما خلَّفه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله في امّته من الكتاب العزيز وسنّته الكريمة كما تحقّق ذلك العلماء العارفون بأسرار الكتب الإلهية والنّواميس الشرعية .
ولفظ العلم : مستعار لما يهتدى به الخلق من قوانين الشرائع . وقوله : كتاب ربكم : بدل من ما ، والمراد « بما » نوع ما خلَّفت الأنبياء في أممها من الحقّ وذلك هو ما يشتمل عليه الكتاب مما لا يخالف فيه نبّى نبيا من القوانين الكليّة ، كالتوحيد ، وأمر المعاد ، وتحريم الكبائر ، ومبيّنا نصب على الحال عن خلَّف ، وذو الحال ضمير للنبىّ صلى اللَّه عليه وآله . وقوله : حلاله ، إلى آخره : تفصيل لما اشتمل عليه الكتاب من القوانين الكليّة التي عليها مدار أصول الفقه ، فمنها الأحكام الخمسة الشرعية . وأشار بحلاله : إلى المباح والمكروه منها . وبحرامه : إلى المحظور ، وبفضائله : إلى المندوب ، وبفرائضه : إلى الواجب ، ومنها الناسخ والمنسوخ ، والنسخ عبارة عن : رفع ، مثل الحكم الثابت بالنّص المتقدّم بحكم آخر مثله . فالناسخ هو : الحكم الرافع والمنسوخ هو : الحكم المرفوع وهما
اختيار مصباح السالكين — صفحة 79
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٧٩