أقول : الضمير في ولده راجع إلى آدم عليه السلام ، واصطفاؤه تعالى للأنبياء اعدادهم لإفاضة الكمال النبوىّ عليهم ، واخذه على الوحي ميثاقهم هو المشار اليه بقوله * ( ( وإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ) ) * وقوله * ( ( وإِذْ أَخَذَ الله مِيثاقَ النَّبِيِّينَ ) ) * الآية ، وقوله : لما بدّل تنبيه ( 1 ) على وجه الحكمة في بعثة الأنبياء وسببها ، وعهد اللَّه الذي بدّلوه هو المشار اليه بقوله : * ( ( وإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) ) * الآية . قال ابن عباس : لمّا خلق اللَّه آدم مسح على ظهره فأخرج منه كل نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة ، فقال : الست بربّكم قالوا : بلى فنودي يومئذ : جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة . واعلم انّه لما كان الانسان تمام العالم ( 2 ) في الوجود الخارجىّ فكذلك في التقدير الإلهي المطابق له ، ولذلك كان به تمام التقدير وجفاف القلم ، ولمّا كان من شأن الخلق بحسب ما ركب فيهم من القوى البدنيّة المتنازعة إلى كمالاتها ان ينحرفوا عن الاستقامة إلى عهد اللَّه ويتّخذوا الأنداد معه ، ويجهلوا حقّه للغفلة بحاضر لذّاتهم عن دوام شكره ، وان يحتالهم الشياطين اى : يقتطعهم عن معرفته لا جرم وجب في الحكمة الإلهية ان يختص صنفا منهم بكمال اشرف يقتدر معه امناء ذلك الصنف على تكميل الناقصين ممن دونهم ، وهم صنف الأنبياء عليهم السلام والغاية منهم ما أشار اليه عليه السلام بقوله : ليستأدوهم ميثاق فطرته اى : يطلبون منهم أداء ما عهد إليهم به حين خلقهم من العبودية والاستقامة عليها ويذكَّرهم ما نسوه من نعمته ويحتجّوا عليهم بتبليغ الرسالات ويثيروا لهم جواهر الادلَّة على وحدانيّته تعالى وتفرّده باستحقاق العبادة فما هو مركوز في فطرتهم وفي قوّتها ( 3 ) علمه كالمدفون فيها والمغطَّى بشوائب الهيئات البدنية وقوله : يرشدوهم إلى وجوهها ، ليستدلَّوا بما يشاهدونه من الحكمة في خلق السماوات والأرض وامر معاشهم وأسباب حياتهم وموتهم مما عدّوه . وقوله : ولم يخل اللَّه إلى قوله :
اختيار مصباح السالكين — صفحة 77
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٧٧
هامش
( 1 ) في نسخة ش بزيادة : يدل
( 2 ) في ش : العالمين
( 3 ) في نسخة ش بزيادة : على .