تخطي إلى المحتوى الرئيسي

اختيار مصباح السالكين — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥

والعزيمة بوهنه ، كقوله : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ ) ) * قيل : ومعنى ذلك انّ آدم كان في الجنة على حال يعلمها يقينا وما كان يعلم عيشه في الدنيا فبدّل ذلك اليقين بما شكَّكه فيه إبليس بقسمه . وقوله * ( ( وقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما ) ) * وقيل : بل كان يتيقّن عداوته فشكَّكه في ذلك بما حكاه من النّصح عن نفسه . وقيل : بل كان يتيقّن عهد اللَّه اليه بملازمة طاعته وأمره ، فلمّا وسوس له الشيطان نسي ذلك العهد فذلك قوله تعالى : * ( ( ولَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ ) ) * الآية . وكذلك بدّل عزيمته الجازمة على المحافظة على طاعة اللَّه ، والصّبر عليها بالضعف عن ذلك واستبداله بالجذل وهو السرور وجلا كما دلّ عليه بقوله تعالى : * ( ( قالا رَبَّنا ) * ، إلى قوله : * ( الْخاسِرِينَ ) ) * وقوله : ثمّ بسط اللَّه ، إلى قوله : رحمته كقوله تعالى : * ( ( فَتَلَقَّى آدَمُ ) ) * الآية . ولقّاه ايّاها أفاضها عليه والهمه ايّاها واستعدّ ( 1 ) بها لقبوله رحمة اللَّه . وروى عن ابن عباس انّه قال : علَّم اللَّه آدم وحوّاء امر الحجّ ، والكلمات التي تقال فيه ، فحجّا ، فلما فرغا أوحى اللَّه اليهما انّى قبلت توبتكما . وعن عائشة : لما أراد اللَّه تعالى ان يتوب على آدم طاف بالبيت سبعا ، والبيت يومئذ ربوة حمراء فلمّا صلَّى ركعتين استقبل البيت وقال : اللَّهمّ انّك تعلم سرّى وعلانيتي فاقبل معذرتي ، وتعلم حاجتي فاعطني سؤلي ، وتعلم ما في نفسي فاغفر لي ذنوبي ، اللَّهم انّى أسألك ايمانا تباشر به قلبي ، ويقينا صادقا حتى اعلم انّه لن يصيبني الَّا ما كتبت لي ، وارضني بما قسمت لي ، فأوحى اللَّه اليه : يا آدم قد غفرت لك ذنبك ولن يأتيني أحد من ذرّيتك يدعوني بمثل ما دعوتني به الَّا غفرت ذنوبه ، وكشفت همومه ، ونزعت الفقر من بين عينيه ، وجاءته الدنيا وهو لا يريدها . ووعده المردّ إلى جنّته لقوله تعالى * ( ( قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً ) ) * ( 2 ) الآية . واهباطه إلى دار البليّة وتناسل الذريّة فاستبدل بالجذل وجلا وبالاغترار ندما ، ثم أناب إلى اللَّه فبسط له إلى آخره ، وانّما جعل تناسل الذريّة في معرض ذمّ الحال وان كان من كمالات الدنيا لحقارة ذلك بالنسبة إلى الكمال ، والخير الَّذى كان فيه آدم في الجنة .

هامش
( 1 ) في نسخة ش : واستبد بها
( 2 ) في ش بزيادة : فمن اتبع هداي .