فلا تلجوه ، وسرّ اللَّه فلا تتكلَّفوه . فاستعار له لفظ الطريق ، بوصف المظلم الغموض البحث وتصرّف الذهن فيه ، وعدم الاهتداء إلى الخلق منه . وكذلك لفظ البحر العميق البحث فيه ودقّته : وكونه سرّ اللَّه : باعتبار انّه لم يبح الخوض فيه ، وتكلَّف البحث عنه .
272 - وقال عليه السّلام : إذا أرذل اللَّه عبدا حظر عليه العلم . فاستعار لفظ الحظر وهو : المنع : لعدم توفيقه له ، وتعسّر أسبابه عليه .
273 - وقال عليه السّلام : كان لي فيما مضى أخ في اللَّه ، وكان يعظمه في عيني صغر الدّنيا في عينه ، وكان خارجا من سلطان بطنه فلا يشتهى ما لا يجد ولا يكثر إذا وجد ، وكان أكثر دهره صامتا ، فإن قال بدّ القائلين ونقع غليل السّائلين ، وكان ضعيفا مستضعفا فإن جاء الجدّ فهو ليث غاب وصلّ واد ، لا يدلى بحجّة حتّى يأتي قاضيا ، وكان لا يلوم أحدا على ما يجد العذر في مثله حتّى يسمع اعتذاره ، وكان لا يشكو وجعا إلَّا عند برئه ، وكان يفعل ما يقول ولا يقول ما لا يفعل ، وكان إذا غلب على الكلام لم يغلب على السّكوت ، وكان على ما يسمع أحرص منه على أن يتكلَّم ، وكان إذا بدهه أمران ينظر أيّهما أقرب إلى الهوى فخالفه ، فعليكم بهذه الأخلاق فالزموها وتنافسوا فيها ، فإن لم تستطيعوها فاعلموا أنّ أخذ القليل خير من ترك الكثير . قيل : أراد : ابا ذر الغفاري . وقيل : عثمان بن مظعون . وكنّى بصغر الدنيا في عينه : عن زهده فيها ، وبخروجه عن سلطان بطنه إلى قوله : وجد : عن عفّته . وبذّ : غلب .
نقع الغليل : سكن العطش . وهما كنايتان : عن قول الحكمة في مواضعها بعد طول السكوت في موضعه . وكنّى بضعفه واستضعافه : عن تواضعه وذلَّته للَّه . واستعار له لفظ الليث والصل في مواطن الحرب : موضع انكار المنكر لسطوته وبأسه فيها . وأدلى بحجّته : ارسلها . وبدهة الأمر : أتاه من غير ترّو . وكثرة حرصه على الاسماع ، تغليبا للاستفادة على الإفادة . والفصل يشتمل على اثنتي عشرة فائدة ، وهي واضحة .
اختيار مصباح السالكين — صفحة 646
مساهمون: ابن ميثم البحراني
ص٦٤٦